بحث هذه المدونة الإلكترونية
السبت، 13 مارس 2010
صورة فيروس مكبرة جدا لنرى الروعة





وصورة قدم حشرة مكبرة جدا لنرى العجب وتنوع الوظائف بها جزء للإحساس ومخالب ولواصق
ونوع من أنواع القشريات يشبه الزهرة تماما
وخلايا جذعية موضوع الساعة لنري هذا الكيان الصغير الحي وشخصيته ومستقبله المتنوع الذي يبرهن على وحدة الخالق لكل شيء فهي تنتج كل الانسجة وبداخلها شفرة معقدة وقابلية معجزة
وسطح الزهرة المحزز بأعراف مرتفعة متتالية وطولها صغير جدا وهو مقارب لطول موجات الأشعة الضوئية لتسبب جذبا لاعين النحل وغيره ولتسبب التصاقا وتحجز قطيرات الماء فتلمع لتغري الحشرات لتأتي وتلتصق بحبوب اللقاح
وغيرها من نعم الله خالق الجمال والاعجاز في التركيب
أمرنا مترفيها ففسقوا فيها..
أمرنا مترفيها ففسقوا فيها..
ما يحدث في بلادنا وأمتنا ليس فتنة محددة نستطيع أن نشير إليها لنقول: هنا تكمن المشكلة.
إنما هي تلك الفتنة التي حذرنا منها القرآن:
وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25) الأنفال.
لم يعد البكاء على ما وصلنا إليه من حال يكفي ولا يشفي ..
يقول الشاعر أبو المظفر الأبيوردي:
وشـر سـلاح المرء دمـع يريقـه ... اذا الحرب شبت نارها بالصوارم
أرى أمتي لا يشرعون إلى العـدا ... رمـاحهـم والـدين واهـي الدعـائـم
ويجتنبون النار خوفا من الردى ... ولا يحـسـبون العار ضـربة لازم
ما يحدث في بلادنا يمكن أن نطلق عليه : "أم الفتن"..
الفتن التي تجعل الحليم حيران وتجعل الرجل يمر بقبر الرجل فيقول يا ليتني كنت مكانه..
الفتن التي لا يرى فيها الإنسان بصيص ضوء.. فلا يبقى إلا جذوة يراها القلب ولا تراها العين تبشر بالنصر الموعود..
فتن كقطع الليل المظلم يصبح الرجل فيها مؤمنا ويمسي كافرا ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا يبيع أقوام دينهم بعرض من الدنيا.
أما أخطر ما في الفتنة التي نعانيها ونكابدها ونعايشها الآن فهو ذلك الشيء المذهل الذي كنا نراهن عليه دائما لكننا الآن نكتشف أننا نخسر الرهان.. ولا أقول خسرناه.. كنا نراهن على وعي الناس.. وأنه لا يصح إلا الصحيح.. وأن الحق أبلج والباطل لجلج.. وأن الناس يعرفون الحقيقة ويميزون بين الخطأ والصواب.. وبين الحلال والحرام .. وبين البر والفاجر.. وأنهم معذورون فيما يقولون أو حتى حين يصمتون لأنهم حين يفعلون فإنهم يستكرهون ولكن قلوبهم بالإيمان مطمئنة.. وهم معذورون لأنهم خائفون من كل جبار عنيد مناع للخير معتد أثيم موال لأعداء الله بريء منا ونحن برءاء منه.. لكننا فجأة.. والألم أقسى من الذبح ويكوي أكثر مما تكوي النار نكتشف أن الأمة تغيرت فكأنما لم تعد أمتنا فيالغربتنا ويالفجيعتنا ويا لأحزاننا فكأنما عادت أمتنا تعبد الأوثان في جاهلية هي أكثر شرا من الجاهلية الأولى.
وإن كنتم تريدون مثالا واحدا فانظروا إلى مدي اهتمام الناس بانتصارنا في الكرة على الجزائر ومدي اهتمامهم بقضايا الأمة التي قد تسفر عن فنائها وتلاشيها.
ولكن.. ثمة عزاء في كلمة حصيفة قالها جمال عبد الناصر ذات يوم وهو يزري بشأن أمة استخفها فأطاعته.. كان بسبيله إلى إصدار قرار ما فحذره من حوله من ردود الفعل فقال لهم: لا تخافوا من ذلك.. فعندنا نصف في المائة من الشعب يسار ونصف في المائة يمين أما الـ99% الباقية فهي مع من يغلب ويحكم..
لا يغلبننا اليأس إذن.. فهذا القطيع الذي يندفع إلى المجزرة وهو فرح بها نشوان سرعان ما يفيق إذا تغير الحاكم أو صلح أمره.
ولكن احذروا .. فإن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده..
***
نعم .. اتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا خاصة..
الفتن التي جعلت فقيها دستوريا كبيرا مثل الدكتور ثروت بدوي أستاذ القانون العام – كليه الحقوق – جامعة القاهرة يجيب عندما سئل كيف ترى المستقبل؟
- مظلم مظلم مظلم...
ثم يضيف:
لقد فقد المصري انتماءه تماما لأنه لم يشعر إطلاقا بأن له دور في شئون البلد. وهناك قوي خارجية تلعب دوراً مؤثراً في مصر منها أمريكا وإسرائيل وهناك قوي منتفعين بفساد النظام الحالي الذين جمعوا بين السلطة والتعتيم والتضليل علي كل ما يجري في مصر.
عندما قال الدكتور بدوي ذلك لم يكن الدكتور مصطفى الفقي-الفائز في الانتخابات بالتزوير الفادح الفاضح المشين – قد أدلى بتصريحه الخطير عن ضرورة موافقة أمريكا وعدم ممانعة إسرائيل على أي رئيس مصري.
وربما لم يكن استمع إلى محمد حسنين هيكل في برنامجه على قناة الجزيرة"مع هيكل" حيث كان يتحدث عن إصرار إسرائيل على قتل عبد الناصر بالمرض أو بالسم ولكن أمريكا كانت تعترض.. أما سبب اعتراض أمريكا فهو غريب ومذهل.. كانت إسرائيل مصرة على القضاء عليه لكن أمريكا كانت حريصة على استمراره.. ولنستعمل كلمات هيكل بل حروفها وهو يتحدث عن تسجيل لاجتماع داخل السفارة الأمريكية:
بعد ناصر إذا خلصنا من ناصر اليمين جمعية تشريعية حيطلب جمعية تشريعية واليمين الجديد حيحرض الجيش على أخذ السلطة لكن الأميركان بيروا أن عبد الناصر ضروري في هذه المرحلة.
نقف عند الجملة المروعة الرهيبة:
لكن الأميركان بيروا أن عبد الناصر ضروري في هذه المرحلة.
فهل هناك فرق حقيقي بينها وبين تلك الجملة التي اقتنصها هيكل ليشنق بها مصطفي الفقي عن ضرورة موافقة أمريكا وإسرائيل على أي رئيس مصري؟!
هل كان هناك فرق حقيقي؟.
لماذا نندهش إذن مما وصلنا إليه.
أمرنا طغاتها وجلاديها ففسقوا فيها..
أمرنا صحافييها ففسقوا فيها..
***
يتحدث الفقيه الدستوري إبراهيم درويش عن الدستور المصري كاشفا أوجه الخلل فيه، ومؤكداً على أن الدستور الحالي لا يصلح للتعديل أو الترقيع. الدستور الحالي يتكون من ٢١١ مادة أكثر من ١٥٠ مادة منها خارج الإطار الدستوري ولا علاقة لها بالدستور أو الدستورية.
ثم يواصل الدكتور إبراهيم درويش معبرا عن يأسه من أي محاولة شعبية للتغيير بقوله:
- بالتأكيد إن أي تحرك سيقابله الأمن بالاعتقال والمنع والتشريد، فالناس همهم الرئيسي الآن أن يصلوا بيوتهم آمنين، و٩٠% من النخبة في مصر تم استئناسهم، و٥% تنتظر الموت في سلام والـ٥% الباقون مازالوا ينادون ويسعون للتغيير والإصلاح.
أمرنا لواءاتها ومباحثها ففسقوا فيها..
***
نعم.. هي فتنة لاتصيبن الذين ظلموا خاصة..
فتنة لا نراها بل نرى أعراضها..
كالسرطان..
وتتعدد الأعراض فنحسب تعددها تعددا للأمراض بينما الأمر في الحقيقة سرطان يؤدي للضعف والهزال والنزيف وفقر الدم وشحوب الوجه وسقوط الشعر وتكسر الأظافر وعشرات الأعراض التي تعود في الأصل إلى سبب أول فإذا انصرفنا عن ذلك السبب إلى باقي الأعراض فإن كل ما نفعله أننا نترك الفرصة للسرطان الوحش كي يلتهم الجسد ويقضي عليه. أما علاجنا للأعراض فلن يجدينا شيئا.
فتنة لا نواجهها حقا بل نواجه أعراضها.
فتنة لا تصيبن الذين ظلموا خاصة..
يقول صاحب الظلال –رضي الله عنه- : إن إرادة الله قد جعلت للحياة البشرية نواميس لا تتخلف ، وسنناً لا تتبدل ، وحين توجد الأسباب تتبعها النتائج فتنفذ إرادة الله وتحق كلمته . ويكشف الشهيد عن العلاقة المباشرة بين مصارع الأمم وفشو الفساد فيها ، وفاقاً لسنة الله وذلك أنه إذا قدر الله الهلاك لقرية جعل إفساد المترفين فيها سبباً لهلاكها وتدميرها .
كذلك تمضي سنة الله في إهلاك القرى وأخذ أهلها في الدنيا ، مرتبطة بذلك الناموس الكوني الذي يصرف الليل والنهار :
{ وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً } .
والمترفون في كل أمة هم طبقة الكبراء الناعمين الذين ينعمون بالدعة وبالراحة وبالسيادة ، حتى تترهل نفوسهم وتأسن ، وترتع في الفسق والمجانة ، وهم إذا لم يجدوا من يضرب على أيديهم عاثوا في الأرض فساداً ، ونشروا الفاحشة في الأمة وأشاعوها ، وأرخصوا القيم العليا التي لا تعيش الشعوب إلا بها ولها . ومن ثم تتحلل الأمة وتسترخي ، وتفقد حيويتها وعناصر قوتها وأسباب بقائها، فتهلك وتطوى صفحتها. فإذا قدر الله لقرية أنها هالكة لأنها أخذت بأسباب الهلاك ، فكثر فيها المترفون ، فلم تدافعهم ولم تضرب على أيديهم ، سلط الله هؤلاء المترفين ففسقوا فيها ، فعم فيها الفسق ، فتحللت وترهلت ، فحقت عليها سنة الله ، وأصابها الدمار والهلاك .
وهنا تبرز تبعة الجماعة في ترك النظم الفاسدة تنشئ آثارها التي لا مفر منها . وعدم الضرب على أيدي المترفين فيها كي لا يفسقوا فيها فيحق عليها القول فيدمرها تدميراً .
***
كان الوزير إبراهيم سليمان -الذي قالت عنه صحيفة الفجر أنه ضيع على الدولة مائتي مليار جنيه بسبب الأرض التي وزعها على المحاسيب- كان يتشكى من الحكم الصادر بفصله من وظيفته الجديدة ومرتبها مليون وربع مليون جنيه في الشهر.. وكان يقول :كل المديرين مثلي يحصلون على مرتبات مماثلة..
أمرنا وزراءها ففسقوا فيها..
وكانت الدكتورة ميرفت التلاوي الوزيرة السابقة تروي كيف استولت وزارة المالية ظلما وعدوانا على مائتي مليار أخرى هي أموال المعاشات حيث يشك في أنها ستفقد كلها..
أمرنا مترفيها ففسقوا فيها..
رؤساء تحرير الصحف القومية أقلعوا من فئة المليونيرات إلى فئة المليارديرات.. لا لشيء إلا لأنهم يساعدون الطغاة على استخفاف أمتهم ويأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويكذبون ويكذبون ويكذبون..
أمرنا كذابيها ففسقوا فيها..
أذناب السلطة والمزورون والمعذبون والقتلة واللصوص والبلطجية الذين يعتمد عليهم الطاغوت لتوطيد أركان ملكه..
أمرنا مجرميها ففسقوا فيها..
***
منذ أعوام سمعت مسئولا كبيرا يصرح أننا على الحياد بين الإسرائيليين والفلسطينيين..
كدت أجن..
الآن.. أقصى ما أتمناه أن نظل على هذا الحياد فعلا!..
أمرنا كبار مسئوليها ففسقوا فيها..
***
الجدار الفولاذي.. أمرنا بناة ذلك الجدار ففسقوا فيها..
***
حفر الباطن..أمرنا مترفيها ففسقوا فيها..كامب ديفيد.. أمرنا مترفيها ففسقوا فيها.. هزيمة 67 .. أمرنا مترفيها ففسقوا فيها.. إعدام الشهيد سيد قطب ورفاقه.. أمرنا مترفيها ففسقوا فيها.. القوانين الاشتراكية.. أمرنا مترفيها ففسقوا فيها.. تمثيلية المنشية .. أمرنا مترفيها ففسقوا فيها.. اغتيال الشهيد حسن البنا.. أمرنا مترفيها ففسقوا فيها..حرب 48.. أمرنا مترفيها ففسقوا فيها.. سعد زغلول.. أمرنا مترفيها ففسقوا فيها.. الأميرة نازلي وصبيانها وتلاميذها الذين ما يزالون يسيطرون على ثقافتنا وجلهم أبناء فكر سفاح للورد كرومر-صديق نازلي وسعد وقاسم ومحمد عبده.. أمرنا مترفيها ففسقوا فيها..
...
***
هل ضل الجميع؟!.. ويضل الله الظالمين.. ويضل الله الظالمين.. ويضل الله الظالمين..
لشد ما أفزعتني هستيريا الجماهير بعد انتصار مصر على الجزائر في مباراة الكرة الأخيرة..
الجماهير التي لم يخرج معشار معشارها من أجل فلسطين أو العراق.. أو مصر.. أو أي من أمة لا إله إلا الله محمد رسول الله.
جميل جدا أن نفرح..
لكن بشرط أن نكون تخلصنا من المستنقع الذي نعوم فيه والذي وصف بعضه الدكتور محمود عمارة الذي كتب يطالب بإنقاذ مصر من نظام دمرته الشيخوخة وأصبحت البلاد ومصالح العباد مهددة بصورة لم يسبق لها مثيل مؤكدا أن المستقبل يكتنفه الغموض والظلامية .. " جسد «كالمارد» في حالة غيبوبة، فقدان وعي، إفلاس، مناخ عام من التشاؤم والإحباط والاكتئاب، خوف علي الحاضر، قلق من المستقبل الغامض لكثرة وغرابة ما نسمعه ونعايشه ونراه من: فساد - بلطجة - فوضي - إهمال - مؤامرات - عصابات - محارق - مغارق - غوغائية - ديكتاتورية - بطش - إذلال - طغيان - امتهان - انتهازية - دعارة فكرية وسياسية - نفاق - تملق - تدليس - توريث - تمييع - تزوير - دسائس - مقالب - قذارة - عفونة - تطرف - تخلف - شائعات - خرافات... عادت بنا إلي مثلث الفقر والجهل والمرض، لنتراجع إلي ذيل قائمة الدول الأكثر فقراً وتخلفاً وتراجعاً، لتتفوق علينا دويلات، وتهزمنا حضاريا إمارات، وتسبقنا بمسافات «أمم» كنا نتندر عليها بالنكات والقفشات! مصر الآن «تغرق» في مستنقع «يأس جماعي» بعد أن ترهل النظام السياسي وشاخ، وأصيب بحالة من الرعب والتردد والتصلب والارتعاش، وعدم الحسم، والتوقف والتراجع عن الإصلاحات الجادة والحقيقية والشاملة.
و نضيف لما قاله الدكتور عمارة ممارسات ترقيع الدستور وتزويره حتى اهترأ وأصبح مثارا للسخرية والاستهزاء. كما نضيف المصائب التي يبتلينا بها العلمانيون.. أولئك الأشرار الذين يضحون بالوطن وبالأمة كلها مقابل القضاء على الإسلام.. شلت أيديهم وألسنتهم.. ولكن تذكروا دائما أنهم نجس وأنهم الأكثر خطرا على الأمة من كل أعدائها..
أما في الفتنة الأخيرة التي زعم العلمانيون أنها طائفية واعتذروا نيابة عن المسلمين رغم أن العلمانية كفر وهم لا علاقة لهم بالمسلمين لكنهم أرادوا إلصاق التهمة بالإسلام..
إن القائمة يمكن أن تطول حتى تلتهم صفحات المجلة كلها دون أن تنتهي.
لكن المؤلم حتى الموت أننا عشنا أعمارنا نحاول تبرئة الأمة فإذا بها مدانة حتى النخاع وكأنها تستحضر قول الشاعر:
وما أنا إلا من غزيه إن غوت ... غويت وان ترشد غزيه ارشد
غوي حكامها فغوت.. ضل حكامها فضلت.. الناس بملوكهم أشبه منهم بأبنائهم..
أمرنا مترفيها ففسقوا فيها..
***
كانت أمواج الانفعال الطاغي تحملها وتدوخها وهي تهاتف صاحب البيت على الهواء وقد استخفها الفرح بالانتصار علي فريق الجزائر في الكرة فراحت تصرخ :
- يا رب .. يا رب.. يا رب.. يا رب..
لكن السياق جعل الكلمات تترجم في المسافة ما بين أذنيّ وعقلي إلى:
- يا إبليس .. يا إبليس.. يا إبليس .. يا إبليس..!!..
أمرنا مترفيها ففسقوا فيها..
كان وراء المرأة حشد هائل اندغمت حروف هتافاته فما عدت أسمه منها شيئا.. كانت الهتافات في التلفاز .. وخلفه.. وحولي في الشوارع.. كانوا يحتفلون بانتصار.. ليس بانتصار الإسلام ولا بانتصار مصر على إسرائيل.. ولا باسترداد الأقصى ولا حتى بتحرير سيناء تحريرا حقيقيا ولا حتى بنسف الجدار الفولاذي .. كانوا يحتفلون بانتصار مصر على الجزائر. كان كل هتاف من تلك الهتافات يعني إعلاء للعصبية المنتنة والقطرية وتكريسا للانقسام ومحوا من الأذهان للحقيقة التي تبهت كل يوم.. حقيقة أن الأمة العربية الإسلامية أمة واحدة.. وما انتصار فريق مصر على فريق الجزائر إلا كانتصار الأهلي على الزمالك.. فهل كان انتصار هذا على ذاك يستحق كل هذا الشحن والبغضاء؟!
كانوا ألوفا بل ملايين..
كانوا كبعث النار.. من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين..
***
قبل المباراة سألني سائل:
- هل تتمنى فوز مصر أم الجزائر..
ووجدتني أجيب السائل الذي أدهشته إجابتي:
- أتمنى أن يُهزم الفريقان معا!!
وقد كان ذلك إحساسي الحقيقي.. فقد كنت أدرك أن انتصار أي فريق منهما سيجني ثماره جبار هنا أو جبار هناك.. ظالم هنا أو ظالم هناك.. مسيلمة هنا أو مسيلمة هناك .. سفاح هنا أو سفاح هناك.. ابن هنا أو أخ هناك.. مترف هنا ومترف هناك..
أمرنا مترفيها ففسقوا فيها..
***
كانت الهتافات تصم الآذان..
وليس عندي أي اعتراض على لعب الكرة وعلى الفرح بالانتصار في مبارياتها.. ولكن شرط ألا تتجاوز حجمها الحقيقي.
كنت أظن أن مائة ضعف هذا الحماس- على الأقل- يكون من أجل غزة.. من أجل فلسطين.. من أجل العراق.. من أجل منع التزوير والتعذيب..
تساءلت وتنين الألم الوحشي ينهش قلبي:
- أكل هؤلاء أفرغوا من آدميتهم وإنسانيتهم وبشريتهم وتحولوا إلى مسوخ؟..
- أكل هؤلاء مغفلون لا يفهمون ما يصنعون..جهلوا الدين وجهلوا التاريخ وجهلوا حتى الإستراتيجية والسياسة.. لقد جهلوا أن تعصبهم لمصر سيضيعهم ويضيع مصر فهاهم أولئك رعاع المهجر وذيولهم في الداخل-أيا كانت مناصبهم- يطالبون بطرد 94.5%% من أهل مصر لأنهم غزاة!!.. إن قوة مصر في انتمائها العربي والإسلامي.. وبدونهما تتفكك ليتسلط عليها الرعاع الهمج الهامج من أقباط المهجر.. يتسلطون عليها ليطردوا أولئك الدهماء الذين يملئون الشوارع.
- أكل هؤلاء نهش التنين عقولهم – لا قلوبهم- ليبدلوا كلمات الله من :" وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (56) الحجرات فغيروا كلمة "إلا ليعبدون" إلى " إلا "إلا ليعبثون""إلا ليزنون""إلا ليهرجون""إلا ليفسقون""إلا ليظلمون""إلا ليكذبون""إلا ليحاصرون""إلا ليخونون""إلا ليكفرون""إلا....""إلا..." ""إلا....""إلا...""إلا ليترفون"..
أمرنا مترفيها ففسقوا فيها..
***
قتلني الألم وأنا أتمتم:
- انتصر الغرب علينا.. هزمنا.. تركت جيوشه بعض أوطاننا واحتلت عقيدته جل قلوب معظم شعوبنا.. حولنا إلى حيوانات محنطة لا نملك إلا الرسم والاسم.. أفئدتنا هواء..
***
وكنت على الجانب الآخر والتنين الوحشي ما يزال ينهشني أستعيد بكاء المترجم وهو يترجم كلمات جورج جالاوي في قافلة الإغاثة الأخيرة إلى أهلنا في غزة.. كانوا ما يزالون في الأردن.. وكان مترفينا الذين يفسقون يمنعون عن أهلنا الطعام والدواء.. وكان جورج جالاوي يناشد الرئيس مبارك قبل وصولِهم إلى نويبع بعد تكريمهم في العقبة واحتفاءِ أهلها بهم كانت المناشدة دامعة دامية:
سيدي الرئيس أرجوك.. أناشدك.. أتوسل إليك.. دع القافلة تَمرّ.. إننا لا نريد إلا إغاثة أطفال غزة، ولا نريد أن نواجه إلا إرهابيي إسرائيل، نحن نحبّ مصر، لا نريد أن توجه لها أي إشارات تصرف النظر عن إسرائيل وجرائمها، أرجوك سيدي الرئيس.. اسمح لنا بالعبور.
هل تبكي أيها القارئ؟.. أم جفت دموعك؟..
لقد انهار مترجم قناة الجزيرة التي كانت تذيع النداء وبكى..
أما جورج جالاوي فقد استمر يقول:
لقد تقدّم بِي العمر وإنني لن أبلغ عهد تحرير فلسطين، وكل ما أؤمله وأرجو أن يدخل معكم ابنِي عز الدين لفلسطين وهي مُحَرّرة، ثم تربتون على كَتِفه مبتسمين تقولون: يا عز الدين قد كان أبوك جورج بيننا كان معنا في نفس الطريق، ولقد وصلنا يا عز الدين...
ثم تنهَّد واستأنف..وقال:
لكنني حين يكبر ابنِي وأنا لا أزال حيًّا، ثم يقرأ التاريخ وإذا به يصدم من قصة شريط من الأرض اسمه غزة تواطأ العالَمُ عليه حتى خُنق وسُحق أطفاله، فإذا التَفَت إليَّ عز الدين وقال: يا أبي، هل أدركتَ هذا الزمن، كيف تركتم غزة؟! ألا يخجل العالم ...؟
هنا قال جورج كلمته التي علمها الناس وشهدت بها الأرض ودمعت معه العيون... قال جورج: سأقول له: الله يعلم يا بني أنني لم أترك نَفَسًا أملكه لأجلهم إلا بذلته.. لعلّ عز الدين أن يغفر لي...
***
فهل يغفر الله لنا؟. نحن الذين سكتنا عن مترفيها الذين فسقوا فيها..هل يغفر الله لنا؟!
***
في الجانب الآخر.. الآخر جدا .. وفي 30 يناير 2010 كانت المصري اليوم تنشر:
علاء مبارك: الرئيس كان يحتضن حفيده بعد كل هدف.
وقال علاء: «شاهدنا المباراة في منزل الوالد، والرئيس فرح فرحة غير عادية، وكان يأخذ حفيده عمر بالأحضان مع كل هدف وجميعنا تبادل الأحضان»
***
أمرنا مترفيها ففسقوا فيها..
***
قلت لنفسي رحم الله الدكتور أحمد مستجير..
أظن نهايتي ستكون مثله..
فقد كانت نهايته إثر نزيف في المخ أصابه وهو يشاهد على شاشة التلفاز مذبحة لفلسطين.. للحبيبة فلسطين.. للجريحة فلسطين.. للأسيرة فلسطين.. لليتيمة فلسطين.
***
صدقت يا فاروق رضي الله عنك!!
سئل الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
- أتوشك القري أن تخرب و هي عامرة ؟
قال :
- إذا علا فجارها علي أبرارها
صدقت.. إذا علا فجارها على أبرارها..
***
وبعد أن أجهدت نفسي الجهد كله وجدت الأمر كله مكنون في آيتين:
وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25) الأنفال.
وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً (16)الإسراء..
ولله الأمر من قبل ومن بعد..
د محمد عباس
ما يحدث في بلادنا وأمتنا ليس فتنة محددة نستطيع أن نشير إليها لنقول: هنا تكمن المشكلة.
إنما هي تلك الفتنة التي حذرنا منها القرآن:
وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25) الأنفال.
لم يعد البكاء على ما وصلنا إليه من حال يكفي ولا يشفي ..
يقول الشاعر أبو المظفر الأبيوردي:
وشـر سـلاح المرء دمـع يريقـه ... اذا الحرب شبت نارها بالصوارم
أرى أمتي لا يشرعون إلى العـدا ... رمـاحهـم والـدين واهـي الدعـائـم
ويجتنبون النار خوفا من الردى ... ولا يحـسـبون العار ضـربة لازم
ما يحدث في بلادنا يمكن أن نطلق عليه : "أم الفتن"..
الفتن التي تجعل الحليم حيران وتجعل الرجل يمر بقبر الرجل فيقول يا ليتني كنت مكانه..
الفتن التي لا يرى فيها الإنسان بصيص ضوء.. فلا يبقى إلا جذوة يراها القلب ولا تراها العين تبشر بالنصر الموعود..
فتن كقطع الليل المظلم يصبح الرجل فيها مؤمنا ويمسي كافرا ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا يبيع أقوام دينهم بعرض من الدنيا.
أما أخطر ما في الفتنة التي نعانيها ونكابدها ونعايشها الآن فهو ذلك الشيء المذهل الذي كنا نراهن عليه دائما لكننا الآن نكتشف أننا نخسر الرهان.. ولا أقول خسرناه.. كنا نراهن على وعي الناس.. وأنه لا يصح إلا الصحيح.. وأن الحق أبلج والباطل لجلج.. وأن الناس يعرفون الحقيقة ويميزون بين الخطأ والصواب.. وبين الحلال والحرام .. وبين البر والفاجر.. وأنهم معذورون فيما يقولون أو حتى حين يصمتون لأنهم حين يفعلون فإنهم يستكرهون ولكن قلوبهم بالإيمان مطمئنة.. وهم معذورون لأنهم خائفون من كل جبار عنيد مناع للخير معتد أثيم موال لأعداء الله بريء منا ونحن برءاء منه.. لكننا فجأة.. والألم أقسى من الذبح ويكوي أكثر مما تكوي النار نكتشف أن الأمة تغيرت فكأنما لم تعد أمتنا فيالغربتنا ويالفجيعتنا ويا لأحزاننا فكأنما عادت أمتنا تعبد الأوثان في جاهلية هي أكثر شرا من الجاهلية الأولى.
وإن كنتم تريدون مثالا واحدا فانظروا إلى مدي اهتمام الناس بانتصارنا في الكرة على الجزائر ومدي اهتمامهم بقضايا الأمة التي قد تسفر عن فنائها وتلاشيها.
ولكن.. ثمة عزاء في كلمة حصيفة قالها جمال عبد الناصر ذات يوم وهو يزري بشأن أمة استخفها فأطاعته.. كان بسبيله إلى إصدار قرار ما فحذره من حوله من ردود الفعل فقال لهم: لا تخافوا من ذلك.. فعندنا نصف في المائة من الشعب يسار ونصف في المائة يمين أما الـ99% الباقية فهي مع من يغلب ويحكم..
لا يغلبننا اليأس إذن.. فهذا القطيع الذي يندفع إلى المجزرة وهو فرح بها نشوان سرعان ما يفيق إذا تغير الحاكم أو صلح أمره.
ولكن احذروا .. فإن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده..
***
نعم .. اتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا خاصة..
الفتن التي جعلت فقيها دستوريا كبيرا مثل الدكتور ثروت بدوي أستاذ القانون العام – كليه الحقوق – جامعة القاهرة يجيب عندما سئل كيف ترى المستقبل؟
- مظلم مظلم مظلم...
ثم يضيف:
لقد فقد المصري انتماءه تماما لأنه لم يشعر إطلاقا بأن له دور في شئون البلد. وهناك قوي خارجية تلعب دوراً مؤثراً في مصر منها أمريكا وإسرائيل وهناك قوي منتفعين بفساد النظام الحالي الذين جمعوا بين السلطة والتعتيم والتضليل علي كل ما يجري في مصر.
عندما قال الدكتور بدوي ذلك لم يكن الدكتور مصطفى الفقي-الفائز في الانتخابات بالتزوير الفادح الفاضح المشين – قد أدلى بتصريحه الخطير عن ضرورة موافقة أمريكا وعدم ممانعة إسرائيل على أي رئيس مصري.
وربما لم يكن استمع إلى محمد حسنين هيكل في برنامجه على قناة الجزيرة"مع هيكل" حيث كان يتحدث عن إصرار إسرائيل على قتل عبد الناصر بالمرض أو بالسم ولكن أمريكا كانت تعترض.. أما سبب اعتراض أمريكا فهو غريب ومذهل.. كانت إسرائيل مصرة على القضاء عليه لكن أمريكا كانت حريصة على استمراره.. ولنستعمل كلمات هيكل بل حروفها وهو يتحدث عن تسجيل لاجتماع داخل السفارة الأمريكية:
بعد ناصر إذا خلصنا من ناصر اليمين جمعية تشريعية حيطلب جمعية تشريعية واليمين الجديد حيحرض الجيش على أخذ السلطة لكن الأميركان بيروا أن عبد الناصر ضروري في هذه المرحلة.
نقف عند الجملة المروعة الرهيبة:
لكن الأميركان بيروا أن عبد الناصر ضروري في هذه المرحلة.
فهل هناك فرق حقيقي بينها وبين تلك الجملة التي اقتنصها هيكل ليشنق بها مصطفي الفقي عن ضرورة موافقة أمريكا وإسرائيل على أي رئيس مصري؟!
هل كان هناك فرق حقيقي؟.
لماذا نندهش إذن مما وصلنا إليه.
أمرنا طغاتها وجلاديها ففسقوا فيها..
أمرنا صحافييها ففسقوا فيها..
***
يتحدث الفقيه الدستوري إبراهيم درويش عن الدستور المصري كاشفا أوجه الخلل فيه، ومؤكداً على أن الدستور الحالي لا يصلح للتعديل أو الترقيع. الدستور الحالي يتكون من ٢١١ مادة أكثر من ١٥٠ مادة منها خارج الإطار الدستوري ولا علاقة لها بالدستور أو الدستورية.
ثم يواصل الدكتور إبراهيم درويش معبرا عن يأسه من أي محاولة شعبية للتغيير بقوله:
- بالتأكيد إن أي تحرك سيقابله الأمن بالاعتقال والمنع والتشريد، فالناس همهم الرئيسي الآن أن يصلوا بيوتهم آمنين، و٩٠% من النخبة في مصر تم استئناسهم، و٥% تنتظر الموت في سلام والـ٥% الباقون مازالوا ينادون ويسعون للتغيير والإصلاح.
أمرنا لواءاتها ومباحثها ففسقوا فيها..
***
نعم.. هي فتنة لاتصيبن الذين ظلموا خاصة..
فتنة لا نراها بل نرى أعراضها..
كالسرطان..
وتتعدد الأعراض فنحسب تعددها تعددا للأمراض بينما الأمر في الحقيقة سرطان يؤدي للضعف والهزال والنزيف وفقر الدم وشحوب الوجه وسقوط الشعر وتكسر الأظافر وعشرات الأعراض التي تعود في الأصل إلى سبب أول فإذا انصرفنا عن ذلك السبب إلى باقي الأعراض فإن كل ما نفعله أننا نترك الفرصة للسرطان الوحش كي يلتهم الجسد ويقضي عليه. أما علاجنا للأعراض فلن يجدينا شيئا.
فتنة لا نواجهها حقا بل نواجه أعراضها.
فتنة لا تصيبن الذين ظلموا خاصة..
يقول صاحب الظلال –رضي الله عنه- : إن إرادة الله قد جعلت للحياة البشرية نواميس لا تتخلف ، وسنناً لا تتبدل ، وحين توجد الأسباب تتبعها النتائج فتنفذ إرادة الله وتحق كلمته . ويكشف الشهيد عن العلاقة المباشرة بين مصارع الأمم وفشو الفساد فيها ، وفاقاً لسنة الله وذلك أنه إذا قدر الله الهلاك لقرية جعل إفساد المترفين فيها سبباً لهلاكها وتدميرها .
كذلك تمضي سنة الله في إهلاك القرى وأخذ أهلها في الدنيا ، مرتبطة بذلك الناموس الكوني الذي يصرف الليل والنهار :
{ وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً } .
والمترفون في كل أمة هم طبقة الكبراء الناعمين الذين ينعمون بالدعة وبالراحة وبالسيادة ، حتى تترهل نفوسهم وتأسن ، وترتع في الفسق والمجانة ، وهم إذا لم يجدوا من يضرب على أيديهم عاثوا في الأرض فساداً ، ونشروا الفاحشة في الأمة وأشاعوها ، وأرخصوا القيم العليا التي لا تعيش الشعوب إلا بها ولها . ومن ثم تتحلل الأمة وتسترخي ، وتفقد حيويتها وعناصر قوتها وأسباب بقائها، فتهلك وتطوى صفحتها. فإذا قدر الله لقرية أنها هالكة لأنها أخذت بأسباب الهلاك ، فكثر فيها المترفون ، فلم تدافعهم ولم تضرب على أيديهم ، سلط الله هؤلاء المترفين ففسقوا فيها ، فعم فيها الفسق ، فتحللت وترهلت ، فحقت عليها سنة الله ، وأصابها الدمار والهلاك .
وهنا تبرز تبعة الجماعة في ترك النظم الفاسدة تنشئ آثارها التي لا مفر منها . وعدم الضرب على أيدي المترفين فيها كي لا يفسقوا فيها فيحق عليها القول فيدمرها تدميراً .
***
كان الوزير إبراهيم سليمان -الذي قالت عنه صحيفة الفجر أنه ضيع على الدولة مائتي مليار جنيه بسبب الأرض التي وزعها على المحاسيب- كان يتشكى من الحكم الصادر بفصله من وظيفته الجديدة ومرتبها مليون وربع مليون جنيه في الشهر.. وكان يقول :كل المديرين مثلي يحصلون على مرتبات مماثلة..
أمرنا وزراءها ففسقوا فيها..
وكانت الدكتورة ميرفت التلاوي الوزيرة السابقة تروي كيف استولت وزارة المالية ظلما وعدوانا على مائتي مليار أخرى هي أموال المعاشات حيث يشك في أنها ستفقد كلها..
أمرنا مترفيها ففسقوا فيها..
رؤساء تحرير الصحف القومية أقلعوا من فئة المليونيرات إلى فئة المليارديرات.. لا لشيء إلا لأنهم يساعدون الطغاة على استخفاف أمتهم ويأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويكذبون ويكذبون ويكذبون..
أمرنا كذابيها ففسقوا فيها..
أذناب السلطة والمزورون والمعذبون والقتلة واللصوص والبلطجية الذين يعتمد عليهم الطاغوت لتوطيد أركان ملكه..
أمرنا مجرميها ففسقوا فيها..
***
منذ أعوام سمعت مسئولا كبيرا يصرح أننا على الحياد بين الإسرائيليين والفلسطينيين..
كدت أجن..
الآن.. أقصى ما أتمناه أن نظل على هذا الحياد فعلا!..
أمرنا كبار مسئوليها ففسقوا فيها..
***
الجدار الفولاذي.. أمرنا بناة ذلك الجدار ففسقوا فيها..
***
حفر الباطن..أمرنا مترفيها ففسقوا فيها..كامب ديفيد.. أمرنا مترفيها ففسقوا فيها.. هزيمة 67 .. أمرنا مترفيها ففسقوا فيها.. إعدام الشهيد سيد قطب ورفاقه.. أمرنا مترفيها ففسقوا فيها.. القوانين الاشتراكية.. أمرنا مترفيها ففسقوا فيها.. تمثيلية المنشية .. أمرنا مترفيها ففسقوا فيها.. اغتيال الشهيد حسن البنا.. أمرنا مترفيها ففسقوا فيها..حرب 48.. أمرنا مترفيها ففسقوا فيها.. سعد زغلول.. أمرنا مترفيها ففسقوا فيها.. الأميرة نازلي وصبيانها وتلاميذها الذين ما يزالون يسيطرون على ثقافتنا وجلهم أبناء فكر سفاح للورد كرومر-صديق نازلي وسعد وقاسم ومحمد عبده.. أمرنا مترفيها ففسقوا فيها..
...
***
هل ضل الجميع؟!.. ويضل الله الظالمين.. ويضل الله الظالمين.. ويضل الله الظالمين..
لشد ما أفزعتني هستيريا الجماهير بعد انتصار مصر على الجزائر في مباراة الكرة الأخيرة..
الجماهير التي لم يخرج معشار معشارها من أجل فلسطين أو العراق.. أو مصر.. أو أي من أمة لا إله إلا الله محمد رسول الله.
جميل جدا أن نفرح..
لكن بشرط أن نكون تخلصنا من المستنقع الذي نعوم فيه والذي وصف بعضه الدكتور محمود عمارة الذي كتب يطالب بإنقاذ مصر من نظام دمرته الشيخوخة وأصبحت البلاد ومصالح العباد مهددة بصورة لم يسبق لها مثيل مؤكدا أن المستقبل يكتنفه الغموض والظلامية .. " جسد «كالمارد» في حالة غيبوبة، فقدان وعي، إفلاس، مناخ عام من التشاؤم والإحباط والاكتئاب، خوف علي الحاضر، قلق من المستقبل الغامض لكثرة وغرابة ما نسمعه ونعايشه ونراه من: فساد - بلطجة - فوضي - إهمال - مؤامرات - عصابات - محارق - مغارق - غوغائية - ديكتاتورية - بطش - إذلال - طغيان - امتهان - انتهازية - دعارة فكرية وسياسية - نفاق - تملق - تدليس - توريث - تمييع - تزوير - دسائس - مقالب - قذارة - عفونة - تطرف - تخلف - شائعات - خرافات... عادت بنا إلي مثلث الفقر والجهل والمرض، لنتراجع إلي ذيل قائمة الدول الأكثر فقراً وتخلفاً وتراجعاً، لتتفوق علينا دويلات، وتهزمنا حضاريا إمارات، وتسبقنا بمسافات «أمم» كنا نتندر عليها بالنكات والقفشات! مصر الآن «تغرق» في مستنقع «يأس جماعي» بعد أن ترهل النظام السياسي وشاخ، وأصيب بحالة من الرعب والتردد والتصلب والارتعاش، وعدم الحسم، والتوقف والتراجع عن الإصلاحات الجادة والحقيقية والشاملة.
و نضيف لما قاله الدكتور عمارة ممارسات ترقيع الدستور وتزويره حتى اهترأ وأصبح مثارا للسخرية والاستهزاء. كما نضيف المصائب التي يبتلينا بها العلمانيون.. أولئك الأشرار الذين يضحون بالوطن وبالأمة كلها مقابل القضاء على الإسلام.. شلت أيديهم وألسنتهم.. ولكن تذكروا دائما أنهم نجس وأنهم الأكثر خطرا على الأمة من كل أعدائها..
أما في الفتنة الأخيرة التي زعم العلمانيون أنها طائفية واعتذروا نيابة عن المسلمين رغم أن العلمانية كفر وهم لا علاقة لهم بالمسلمين لكنهم أرادوا إلصاق التهمة بالإسلام..
إن القائمة يمكن أن تطول حتى تلتهم صفحات المجلة كلها دون أن تنتهي.
لكن المؤلم حتى الموت أننا عشنا أعمارنا نحاول تبرئة الأمة فإذا بها مدانة حتى النخاع وكأنها تستحضر قول الشاعر:
وما أنا إلا من غزيه إن غوت ... غويت وان ترشد غزيه ارشد
غوي حكامها فغوت.. ضل حكامها فضلت.. الناس بملوكهم أشبه منهم بأبنائهم..
أمرنا مترفيها ففسقوا فيها..
***
كانت أمواج الانفعال الطاغي تحملها وتدوخها وهي تهاتف صاحب البيت على الهواء وقد استخفها الفرح بالانتصار علي فريق الجزائر في الكرة فراحت تصرخ :
- يا رب .. يا رب.. يا رب.. يا رب..
لكن السياق جعل الكلمات تترجم في المسافة ما بين أذنيّ وعقلي إلى:
- يا إبليس .. يا إبليس.. يا إبليس .. يا إبليس..!!..
أمرنا مترفيها ففسقوا فيها..
كان وراء المرأة حشد هائل اندغمت حروف هتافاته فما عدت أسمه منها شيئا.. كانت الهتافات في التلفاز .. وخلفه.. وحولي في الشوارع.. كانوا يحتفلون بانتصار.. ليس بانتصار الإسلام ولا بانتصار مصر على إسرائيل.. ولا باسترداد الأقصى ولا حتى بتحرير سيناء تحريرا حقيقيا ولا حتى بنسف الجدار الفولاذي .. كانوا يحتفلون بانتصار مصر على الجزائر. كان كل هتاف من تلك الهتافات يعني إعلاء للعصبية المنتنة والقطرية وتكريسا للانقسام ومحوا من الأذهان للحقيقة التي تبهت كل يوم.. حقيقة أن الأمة العربية الإسلامية أمة واحدة.. وما انتصار فريق مصر على فريق الجزائر إلا كانتصار الأهلي على الزمالك.. فهل كان انتصار هذا على ذاك يستحق كل هذا الشحن والبغضاء؟!
كانوا ألوفا بل ملايين..
كانوا كبعث النار.. من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين..
***
قبل المباراة سألني سائل:
- هل تتمنى فوز مصر أم الجزائر..
ووجدتني أجيب السائل الذي أدهشته إجابتي:
- أتمنى أن يُهزم الفريقان معا!!
وقد كان ذلك إحساسي الحقيقي.. فقد كنت أدرك أن انتصار أي فريق منهما سيجني ثماره جبار هنا أو جبار هناك.. ظالم هنا أو ظالم هناك.. مسيلمة هنا أو مسيلمة هناك .. سفاح هنا أو سفاح هناك.. ابن هنا أو أخ هناك.. مترف هنا ومترف هناك..
أمرنا مترفيها ففسقوا فيها..
***
كانت الهتافات تصم الآذان..
وليس عندي أي اعتراض على لعب الكرة وعلى الفرح بالانتصار في مبارياتها.. ولكن شرط ألا تتجاوز حجمها الحقيقي.
كنت أظن أن مائة ضعف هذا الحماس- على الأقل- يكون من أجل غزة.. من أجل فلسطين.. من أجل العراق.. من أجل منع التزوير والتعذيب..
تساءلت وتنين الألم الوحشي ينهش قلبي:
- أكل هؤلاء أفرغوا من آدميتهم وإنسانيتهم وبشريتهم وتحولوا إلى مسوخ؟..
- أكل هؤلاء مغفلون لا يفهمون ما يصنعون..جهلوا الدين وجهلوا التاريخ وجهلوا حتى الإستراتيجية والسياسة.. لقد جهلوا أن تعصبهم لمصر سيضيعهم ويضيع مصر فهاهم أولئك رعاع المهجر وذيولهم في الداخل-أيا كانت مناصبهم- يطالبون بطرد 94.5%% من أهل مصر لأنهم غزاة!!.. إن قوة مصر في انتمائها العربي والإسلامي.. وبدونهما تتفكك ليتسلط عليها الرعاع الهمج الهامج من أقباط المهجر.. يتسلطون عليها ليطردوا أولئك الدهماء الذين يملئون الشوارع.
- أكل هؤلاء نهش التنين عقولهم – لا قلوبهم- ليبدلوا كلمات الله من :" وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (56) الحجرات فغيروا كلمة "إلا ليعبدون" إلى " إلا "إلا ليعبثون""إلا ليزنون""إلا ليهرجون""إلا ليفسقون""إلا ليظلمون""إلا ليكذبون""إلا ليحاصرون""إلا ليخونون""إلا ليكفرون""إلا....""إلا..." ""إلا....""إلا...""إلا ليترفون"..
أمرنا مترفيها ففسقوا فيها..
***
قتلني الألم وأنا أتمتم:
- انتصر الغرب علينا.. هزمنا.. تركت جيوشه بعض أوطاننا واحتلت عقيدته جل قلوب معظم شعوبنا.. حولنا إلى حيوانات محنطة لا نملك إلا الرسم والاسم.. أفئدتنا هواء..
***
وكنت على الجانب الآخر والتنين الوحشي ما يزال ينهشني أستعيد بكاء المترجم وهو يترجم كلمات جورج جالاوي في قافلة الإغاثة الأخيرة إلى أهلنا في غزة.. كانوا ما يزالون في الأردن.. وكان مترفينا الذين يفسقون يمنعون عن أهلنا الطعام والدواء.. وكان جورج جالاوي يناشد الرئيس مبارك قبل وصولِهم إلى نويبع بعد تكريمهم في العقبة واحتفاءِ أهلها بهم كانت المناشدة دامعة دامية:
سيدي الرئيس أرجوك.. أناشدك.. أتوسل إليك.. دع القافلة تَمرّ.. إننا لا نريد إلا إغاثة أطفال غزة، ولا نريد أن نواجه إلا إرهابيي إسرائيل، نحن نحبّ مصر، لا نريد أن توجه لها أي إشارات تصرف النظر عن إسرائيل وجرائمها، أرجوك سيدي الرئيس.. اسمح لنا بالعبور.
هل تبكي أيها القارئ؟.. أم جفت دموعك؟..
لقد انهار مترجم قناة الجزيرة التي كانت تذيع النداء وبكى..
أما جورج جالاوي فقد استمر يقول:
لقد تقدّم بِي العمر وإنني لن أبلغ عهد تحرير فلسطين، وكل ما أؤمله وأرجو أن يدخل معكم ابنِي عز الدين لفلسطين وهي مُحَرّرة، ثم تربتون على كَتِفه مبتسمين تقولون: يا عز الدين قد كان أبوك جورج بيننا كان معنا في نفس الطريق، ولقد وصلنا يا عز الدين...
ثم تنهَّد واستأنف..وقال:
لكنني حين يكبر ابنِي وأنا لا أزال حيًّا، ثم يقرأ التاريخ وإذا به يصدم من قصة شريط من الأرض اسمه غزة تواطأ العالَمُ عليه حتى خُنق وسُحق أطفاله، فإذا التَفَت إليَّ عز الدين وقال: يا أبي، هل أدركتَ هذا الزمن، كيف تركتم غزة؟! ألا يخجل العالم ...؟
هنا قال جورج كلمته التي علمها الناس وشهدت بها الأرض ودمعت معه العيون... قال جورج: سأقول له: الله يعلم يا بني أنني لم أترك نَفَسًا أملكه لأجلهم إلا بذلته.. لعلّ عز الدين أن يغفر لي...
***
فهل يغفر الله لنا؟. نحن الذين سكتنا عن مترفيها الذين فسقوا فيها..هل يغفر الله لنا؟!
***
في الجانب الآخر.. الآخر جدا .. وفي 30 يناير 2010 كانت المصري اليوم تنشر:
علاء مبارك: الرئيس كان يحتضن حفيده بعد كل هدف.
وقال علاء: «شاهدنا المباراة في منزل الوالد، والرئيس فرح فرحة غير عادية، وكان يأخذ حفيده عمر بالأحضان مع كل هدف وجميعنا تبادل الأحضان»
***
أمرنا مترفيها ففسقوا فيها..
***
قلت لنفسي رحم الله الدكتور أحمد مستجير..
أظن نهايتي ستكون مثله..
فقد كانت نهايته إثر نزيف في المخ أصابه وهو يشاهد على شاشة التلفاز مذبحة لفلسطين.. للحبيبة فلسطين.. للجريحة فلسطين.. للأسيرة فلسطين.. لليتيمة فلسطين.
***
صدقت يا فاروق رضي الله عنك!!
سئل الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
- أتوشك القري أن تخرب و هي عامرة ؟
قال :
- إذا علا فجارها علي أبرارها
صدقت.. إذا علا فجارها على أبرارها..
***
وبعد أن أجهدت نفسي الجهد كله وجدت الأمر كله مكنون في آيتين:
وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25) الأنفال.
وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً (16)الإسراء..
ولله الأمر من قبل ومن بعد..
د محمد عباس
الأحد، 21 فبراير 2010
إِن رُمتَ عُنوانهم فضلاً وَمكرمُةً** فَشَيخُ أَزهَرِنا حَسّونَةُ الفَردُ
هذه للشاعر أحمد الكناني في سالف الأوان:
إن عاهدوا حَفِظوا عهداً وَإن وعدوا ** فَلا غَرابَةَ في أَن يصدُقَ الوَعدُ
إِن رُمتَ عُنوانهم فضلاً وَمكرمُةً** فَشَيخُ أَزهَرِنا حَسّونَةُ الفَردُ
الصائِبُ الرَأيِ وَالآراءُ طائِشةٌ ** وَالمُمطِرُ الفَضلِ لا بَرقٌ وَلا رَعدُ
وَالثابِتُ الجَأشِ في لَيلِ الخُطوبِ وَمَن ** أَدنى مَزاياهُ لا يُحصى لها عَدُّ
مَولىً تُبينُ خَفيَّ الأَمرِ فِطنتُهُ ** وَالغَيبُ عن فكره السامي لنا يَبدو
*** يا للخيبة..
إن عاهدوا حَفِظوا عهداً وَإن وعدوا ** فَلا غَرابَةَ في أَن يصدُقَ الوَعدُ
إِن رُمتَ عُنوانهم فضلاً وَمكرمُةً** فَشَيخُ أَزهَرِنا حَسّونَةُ الفَردُ
الصائِبُ الرَأيِ وَالآراءُ طائِشةٌ ** وَالمُمطِرُ الفَضلِ لا بَرقٌ وَلا رَعدُ
وَالثابِتُ الجَأشِ في لَيلِ الخُطوبِ وَمَن ** أَدنى مَزاياهُ لا يُحصى لها عَدُّ
مَولىً تُبينُ خَفيَّ الأَمرِ فِطنتُهُ ** وَالغَيبُ عن فكره السامي لنا يَبدو
*** يا للخيبة..
لابن الهبارية
قَد يَضحَك المَرء وَإِن قَلبه * باكٍ بسر غمه وكربه
ويأكل الحر شغاف قلبه * وَلا يَبين جَزعَةً لِصَحبه
وَيؤثر الضيف عَلى عياله * وَنَفسه بِزاده وَماله
حَتَّى يَظن جوده عن مال * وسعة في عيشه والحال
والحر لا يخضع للشدائِد * قَط وَلا يَغتاط بِالمَكايد
لَيسَ الفَتى إِلا الَّذي إِن طرقه * خطب تَلقاه بِصَبر وَثقه
وَالمَوت لا يَكون إِلا مره * وَالمَوت أَحلى مِن حَياة مره
إذا الرزايا أقبلت ولم تقف * فثم أقدار الرِّجال تختلِف
كَم قَد لَقيت لذة في زَمَني * فَاِصبر الآن لهذي المِحَن
ويأكل الحر شغاف قلبه * وَلا يَبين جَزعَةً لِصَحبه
وَيؤثر الضيف عَلى عياله * وَنَفسه بِزاده وَماله
حَتَّى يَظن جوده عن مال * وسعة في عيشه والحال
والحر لا يخضع للشدائِد * قَط وَلا يَغتاط بِالمَكايد
لَيسَ الفَتى إِلا الَّذي إِن طرقه * خطب تَلقاه بِصَبر وَثقه
وَالمَوت لا يَكون إِلا مره * وَالمَوت أَحلى مِن حَياة مره
إذا الرزايا أقبلت ولم تقف * فثم أقدار الرِّجال تختلِف
كَم قَد لَقيت لذة في زَمَني * فَاِصبر الآن لهذي المِحَن
و حبذا العيش والأيام مسعفة.
و حبذا العيش والأيام مسعفة. ٌ
ومصر داري وأحبابي بها خولي.
يا بارقاً من نواحي مصر مبتسماً.
بلّغ تحية هامي الدمع منهمل.
واذكر اذا هب معتل الصبا جسدي.
فربما صحت الأجساد بالعلل.
ومصر داري وأحبابي بها خولي.
يا بارقاً من نواحي مصر مبتسماً.
بلّغ تحية هامي الدمع منهمل.
واذكر اذا هب معتل الصبا جسدي.
فربما صحت الأجساد بالعلل.
سألتها يا بنت يعرب ما لنا * في الانحطاط وقد ترقى الناس
"فبئس ما يشترون"
هذا الجحود الذي نراه رغم وضوح المحجة
بل رغم الفضيحة العلنية والصفقات المكشوفة
خزي في الدنيا، ووعيد لمن لم يتب في الأخرة
هل هو جهل أم حمق أم بلادة
والأغلبية الميتة؟ ما الوازع الرائع الذي يضعهم في صف المشاهدين؟ رغم تقارب المصائر-دنيويا، ومؤخرا خاصة- بين ما هم فيه، وما يتقونه!
قال الشاعر
ولسوف أهجرها وأهجر أهلها * حتى يعود إليهم الإحساس
هناك أزمة عربية فكرية ثقافية كارثية
... لا
هذه معلومة
وفي الطب والاقتصاد أيضا، في كل شيء، فكل الأمور متداخلة، والرؤية حين تعتم العدسة لا تنتقي حفرة وتتقي أخرى
هو فساد بري بحري... كسبي!
كيف؟
"فنبذوه وراء ظهورهم"
هم تركوا "الكتاب المقدس" واختاروا الدنيا
ونحن تركنا الكتاب المقدس! وبقي لنا الانحطاط
فبكيت من عظم الجواب وحل بي * داءان منها اليأس والوسواس
وسألتها يا بنت يعرب ما لنا * في الانحطاط وقد ترقى الناس
"ونحن له مخلصون"
ليتني أكون من هؤلاء..
وكيف أعرف؟
لأعالج نفسي، وأقر عينا..بل لأحفظ حدي المعلوم
لا ليبرد عقلي بجمع المعارف اللطيفة، وما حبب إلي من خبيئة العلوم، ويروي فضولي باكتناز ملايين الأسطر
الأزمة لم تعد في الاختلاط ولا السفور فقط، بل أبعد من ذلك بكثير، وسل البر والبحر
يخبراك بما حمل الرحب
ويبقى الهوى كالهواء!
في مجال الفكر والخلق يقتلع ما لا عمق له، ولا سعة فيه
وَلا خَيرَ في خَيرٍ تَرى الشَرَّ دونَهُ *
وَلا قائِلٍ يَأتيكَ بَعدَ التَلَدُّدِ
لَعَمرُكَ ما الأَيامُ إِلّا مُعارَةٌ *
فَما اِسطَعتَ مِن مَعروفِها فَتَزَوَّدِ
عَنِ المَرءِ لا تَسأَل وَسَل عَن قَرينَهُ *
فَكُلُّ قَرينٍ بِالمُقارِنِ يَقتَدي
ما معنى ذلك؟
والضغوط التي تجري
والمصالح التي ترجى!
قد يكون القرين المشاكل أسوأ من الخليط المشاكس..
بل نفسك قد تكون كذلك، أفيبعد هذا!
كيف كان الحال لو لم تكن هناك صلاة؟
لو لم نعرف الصلاة، ولم نرزق بها كنا سنموت جدبا وعطشا قلبيا، وخوفا وغصة في الحلق بالذنب، وغربة..
كانت الحياة لتصبح كالموت، ولو لم تكن خمس صلوات في اليوم لمتنا خمس مرات في اليوم..
من الضيق، ومن كل شيء.. من قلة الزاد، من التعب، من القنوط..الصلاة جاءت لتبعد هذه الهواجس وتبرد الوساوس وتحملك
جسما وروحا، كما كانت العرب تحمل بعضها في الأسفار وأكثر بكثير..
لم أكن أعرف الصلاة، وكيف كانت تريحهم وتعينهم وأنا صغير
ثم أعرف ثم أنسى، ثم أعرف ثم أنسى
أفق لقلبك هناك حالة اسمها
غياب القلب، حين يكون ميتا لا تشعر به
وهناك أدب القلب، محنة القلب، أزمة القلب، نوم القلب، فتور القلب، ملل القلب، غرق القلب.. فقد القلب
خيبة القلب، عناد القلب، ثقل القلب.
وإياك أن تأخذ بأقوال مارق * تلوذ به من كل خطب مضائق
وكن لايذاً بالله جل جلاله * لتنجو في يوم البكا والتشاهق
فحق نبي الله طاعة أمره * وتصديقه والانتها عن مشافق
ثم ماذا يا عم
وصل على المعصوم رب وءاله * وأصحابه أهل العلى والسوابق
هوامش على النكسات
كل ربع في نكسته منكوس
"وما صبرك إلا بالله"
"ذلك من فضل الله"..قيلت في السجن من النبي الكريم يوسف عليه الصلاة والتسليم
ما الدرس في ذلك ونحن نرى ما نرى
على الداعية الصادق-فمن دونه- ألا يكون همه إمتاع الناس، وتشويقهم وربطهم به، وبذاته وكأنه مهرج
وما يحدث لبعض -ومن بعض- في أقطار هنا وهناك يؤيد ويبين فضل نهج أحمد بن حنبل وأبي حنيفة ومالك والشافعي ألا يتولوا منصبا ولم يجاور مالك كبيرا، ولم يقبل أحمد هدية! واعتبرها مصيبة قاطع ابنه بسببها!
فالمستغني لا يذله أحد، والرافض لا يحرمه أحد، والمتأبي لا يخرجه أحد، ولا يحرجه أحد
والممتنع لا يمنعه أحد! والراضي بالبلاء لا يسترق لسانه أحد، والعهد بنا أن من خالف سيرتهم تعب وربما بات مذموما وخالط المخطئين، ونزل شيئا فشيئا، حتى ما يبين تحته قعر لنازل
وعليه-وأنا قبله وأقل منه قدرا- أن يعلم أن أغلى شيء عنده هو تسبيحه، وألا يحزن وأن يعلم أن الزمن لا قيمة له عند من يؤمن بالله واليوم الأخر والملائكة والقرءان وما فيه، وأنه حين يركع تركع الدنيا معه، وحين يسجد يسجد الكون معه طوعا وكرها، بمؤمنيه وفاسقيه، ونباته وكائناته وأفلاكه، وأن تكون هذه قناعة يقين عنده، من نظر عميق عريض بعقله، ومن علم بسعة أفق، وقلب حي يرى مكانته كما كان يوسف عليه السلام يحكي لجيرانه عن قمة الفضل! وهو في أحلك وضع! وأن يعلم أن صمته قد يكون أبلغ مما يتمنى الوصول إليه من بلاغة وصراحة، وأن يراجع نفسه باستمرار، ويعرضها عرضا وينشرها نشرا ليفتش فيها ثم يطويها، وكل هذا بينه وبين نفسه وهو خال لا يتعالى ولا يرائي ولا يضع نفسه موضع المرائي.
"وما صبرك إلا بالله"
"ذلك من فضل الله"..قيلت في السجن من النبي الكريم يوسف عليه الصلاة والتسليم
ما الدرس في ذلك ونحن نرى ما نرى
على الداعية الصادق-فمن دونه- ألا يكون همه إمتاع الناس، وتشويقهم وربطهم به، وبذاته وكأنه مهرج
وما يحدث لبعض -ومن بعض- في أقطار هنا وهناك يؤيد ويبين فضل نهج أحمد بن حنبل وأبي حنيفة ومالك والشافعي ألا يتولوا منصبا ولم يجاور مالك كبيرا، ولم يقبل أحمد هدية! واعتبرها مصيبة قاطع ابنه بسببها!
فالمستغني لا يذله أحد، والرافض لا يحرمه أحد، والمتأبي لا يخرجه أحد، ولا يحرجه أحد
والممتنع لا يمنعه أحد! والراضي بالبلاء لا يسترق لسانه أحد، والعهد بنا أن من خالف سيرتهم تعب وربما بات مذموما وخالط المخطئين، ونزل شيئا فشيئا، حتى ما يبين تحته قعر لنازل
وعليه-وأنا قبله وأقل منه قدرا- أن يعلم أن أغلى شيء عنده هو تسبيحه، وألا يحزن وأن يعلم أن الزمن لا قيمة له عند من يؤمن بالله واليوم الأخر والملائكة والقرءان وما فيه، وأنه حين يركع تركع الدنيا معه، وحين يسجد يسجد الكون معه طوعا وكرها، بمؤمنيه وفاسقيه، ونباته وكائناته وأفلاكه، وأن تكون هذه قناعة يقين عنده، من نظر عميق عريض بعقله، ومن علم بسعة أفق، وقلب حي يرى مكانته كما كان يوسف عليه السلام يحكي لجيرانه عن قمة الفضل! وهو في أحلك وضع! وأن يعلم أن صمته قد يكون أبلغ مما يتمنى الوصول إليه من بلاغة وصراحة، وأن يراجع نفسه باستمرار، ويعرضها عرضا وينشرها نشرا ليفتش فيها ثم يطويها، وكل هذا بينه وبين نفسه وهو خال لا يتعالى ولا يرائي ولا يضع نفسه موضع المرائي.
القدس .. لات ساعة مندم
القدس .. لات ساعة مندم
د. فيوليت داغر
شددت الرحال قاصدة مدينة القدس، "العاصمة الموعودة للدولة الفلسطينية المقبلة"، مهبط الرسالات السماوية الثلاثة، ومن أقدم مدن العالم، حيث كان أول من سكنها العرب الكنعانيون ثم اليبوسيون قبل الفلسطينيين. الهدف كان الإطلاع والتواصل مع شعب تقطعت أوصال موطنه بين أجزاء احتل غالبها وكانت قبل ستين عاماً تسمى فلسطين، فلسطين التاريخية. الأمر الذي يعني من بداية الرحلة انتهاك حق الزائر وخاصة العربي في الحركة وفي التعرف عن كثب على أوضاع بلد تحول سجناً لساكنيه الأصليين. هؤلاء المنسيون من العالم الذين تمارس عليهم كل أنواع الضغوط وانتهاك الحقوق للتسليم بأمرهم والرحيل عنه. لتسليم مفاتيحه لشذاذ آفاق قدموا من أرجاء العالم ليغزوا أرضاً روجوا أنها أرض بلا شعب لشعب بلا أرض.
وجوه متجهمة وكئيبة تطالع المراقب، وحركة سريعة للعودة للمنزل ما أن يقترب الليل، ولاسيما تباين هائل بين جزئي القدس الغربية والشرقية. جزء غربي ينعم بنصيب هام من العناية والثروة، وقسم آخر مهمل ومهمش كالأحياء الفقيرة والمعزولة في ضواحي المدن العامرة. فسكان القدس العرب الذين يشكلون 34 % وحيث حوالي الثلثين منهم يعيشون تحت خط الفقر، لا تصرف البلدية على أحيائهم سوى ما بين 5 إلى 10% من ميزانيتها، الأمر الذي يجعلهم يفتقرون للخدمات والبنى التحتية الضرورية.
فمنذ اليوم الأول لاحتلال زهرة المدائن، شرعت دولة الاحتلال بعمليات التهويد المنظم لها، معملة معاول الهدم فيها. هدم المنازل كان أول عمل قامت به ليتوالى بعد ذلك فرض نظام الحكم العسكري والتطهير العرقي والاعتقال والإبعاد وإلغاء حقوق المواطنة. وهكذا، لم يكد يمضي الشهر الأول على نكسة 1967، إلا وقد أزيل 5000 منزل وحارات بكاملها من الوجود، منها حارة المغاربة التي أنشئت منذ عهد صلاح الدين في ساحة البراق. كذلك حولت بعض المساجد لكنس يهودية وأماكن سياحية وتجارية ومرابض إبل. وجرفّت بعض المقابر الاسلامية ونقلت رفات بعض الصحابة لأماكن مجهولة. كما صودرت وثائق المحكمة الشرعية، وهدم مبنى المجلس الاسلامي الأعلى رغم أن صفة الوقفية لا تسقط عنه بالتقادم. ثم جرت عمليات التزوير والحفر «السرية» تحت المسجد الأقصى وما زالت مستمرة. وكشف عن تسجيل وتثبيت 120 عقاراً للمستوطنين من خلال وثائق مزورة وبصورة غير قانونية. وتم السيطرة على أكثر من 60 ألف دونم من الأراضي ومصادرة ما يزيد عن مائة عقار ومنزل تقع في محيط المسجد الأقصى، تم تحويلها لبؤر استيطانية شيد فيها حتى الآن أكثر من 50 كنيساً يهودياً. وهي تستكمل بافتتاح العشرات الآخرين والشروع في بناء أكبر كنيس يهودي في العالم. وهكذا 90% من الأراضي وضعت تحت تصرف الدولة العبرية (بين 34% استيلاء، 40% محميات طبيعية، 10% أراضي مجمدة، 6% بنى تحتية وشوارع).
المسجد الأقصى، الذي تبلغ مساحة ما يشمله من متعلقات ومعالم هامة وآثار 144 دونماَ، لم يتعرض فقط لعمليات السطو عليه والاستيلاء على حائط البراق الذي أسمته سلطات الاحتلال حائط المبكى، بل لهدم تلة باب المغاربة بداية 2007، وإقامة جسر مكانها ومبان وحصون لا علاقة لها بما كان. وقد كثفت عمليات الحفر في ساحاته، ومن تحته في السور الجنوبي منه وصولاً لأسفل مسجد الصخرة شمالاً، ومن شرقه لغربه. كذلك تعرض لشق أنفاق تحته لتمكين دخول الشاحنات والجرافات، ولطمس المعالم والآثار الإسلامية والزعم بوجود هيكل أسفله. مما بات يهدد أساساته وجدرانه والكثير من العقارات والمنازل في محيطه. ورغم تبيان وجود تصدعات وانهيارات في سوريه الغربي والجنوبي، لم تسمح سلطات الاحتلال لدائرة الأوقاف الإسلامية بترميم ما خرّب في ساحته وفي مسجد البراق والمسجد الأقصى القديم والمسجد المرواني والمدارس التي تتبع له.
في حين ما زال الفلسطينيون من سكان قطاع غزة والضفة الغربية يمنعون من الوصول للمسجد والصلاة فيه، توضع تحديدات عمرية لأهالي القدس ولفلسطينيي الخط الأخضر، مع شرط حصولهم على تصريح إداري من السلطات في مكان سكنهم. علاوة على ذلك، فكل ما ومن يهدف لتعزيز صمود الفلسطيني ومناهضة الاحتلال وكشف عمليات التهويد، تشن السلطات حرباً ضروساً عليه. وفي هذا الإطار أغلقت "مؤسسة الأقصى لإعمار المقدسات الإسلامية" في 14 أغسطس/ آب من السنة الماضية، بعدما بدأت بإغلاق مؤسسات للحركة الإسلامية الفلسطينية منذ 1996 واعتقال قياداتها ومصادرة وثائق وأموال تخصها. لتجبرها تحت الضغط المستمر على تغيير سياساتها، تفادياً للاعتقال وإقفال المزيد من المؤسسات. ولإلهائها في الدفاع عن نفسها في حين تستفرد هي بالمسجد الاقصى وبالمقدسات الإسلامية. هدفها من ذلك أيضاً إبراز هامشية المجتمع العربي وتعزيز تيار التخاذل العربي والفلسطيني مقابل مشروع الأسرلة، وتوجيه رسالة مفادها أن حدود التعامل مع الفلسطينيين هي وفق قوانين الطوارئ.
عمليات التهويد تسارعت في الآونة الأخيرة مع العدوان على غزة، وهناك أكثر من 2200 عقار ومنزل والآلاف من الدونمات مهددة بالمصادرة. أما مكتبة الأنصاري، التي هي من أقدم وأهم مكتبات القدس الثقافية العامة، فهي مهددة بالإخلاء والهدم. سلطات الاحتلال تقوم باستعجال اجراءات الضم ومصادرة آلاف الدونمات من الأراضي ومئات العقارات بشتى الحجج وبإصدار العديد من الأوامر والقرارات وما يزيد عن عشرين قانوناً من أبرزها: قوانين مصادرة أملاك الغائبين، والمحميات الطبيعية، والأرض الخضراء، ومن أجل المصلحة العامة، الخ. الهدف بالطبع تهجير أهالي القدس، بحيث لا يبقى بعد عقد من الآن سوى 12% من عددهم الحالي. أي ربع مليون، مقابل رفع عدد اليهود فيها ليصل لمليون نسمة خلال العشرية القادمة.
بخلاف ما يطالبها به المجتمع الدولي وبتناقض مع التزاماتها في خارطة الطريق، تمضي الدولة العبرية بخطى حثيثة في الاستيلاء اللاقانوني على القدس الشرقية وتشييد المستوطنات وهدم منازل الفلسطينيين وبناء الجدار العازل الذي قطع أوصال القدس الشرقية وعمق المشكلة الاقتصادية لسكانها العرب. وتتشدد بلدية القدس في منح رخص البناء للفلسطينيين وتمنعهم من الإعمار والتوسع الأفقي والعمودي بالبناء. وإن تم منح ترخيص استثناءاً فكلفته تتعدى 25 ألف دولاراً للشقة السكنية. مقابل ذلك، يمنح اليهود كل التسهيلات اللازمة برسوم رمزية. الأمر الذي اضطر بعض الفلسطينيين لتشييد منازلهم دون الحصول عليها، مما وفر الحجة للسلطات لهدمها. وعليه، أكثر من 400 منزل قد ازيل منذ عام 2004، في حين ما لا يقل عن ألف ينتظر أوامر الهدم. ذلك حين لا توضع اليد على المنازل ليقطنها إسرائيليون بعد ان يطرد أصحابها منها.
هذه الاجراءات الطاردة تستكمل بسحب هويات من تستطيع لسبب أو لآخر، حيث تم سحب ما لا يقل عن أربعين ألف هوية. في حين يفرض الحصول على بطاقة الهوية "الزرقاء" هذه من الداخلية، إلى جانب الأوراق الأخرى من مثل فواتير الماء والكهرباء وأوراق الضرائب، للتثبت من السكن في القدس. الحجج كثيرة ومنها: تعديل قوانين الدخول والإقامة على أساس سنوات الغياب والحصول على جنسية أجنبية وغيره. وقد بدأت السلطة المحتلة بإغلاق بيوت للمقدسيين بحجة أنهم لم يسكنوها منذ فترة، رغم إبرازهم الأوراق الثبوتية التي تدحض هذه المزاعم. كذلك يمنع الفلسطيني الذي يملك جواز سفر أجنبي من السكن في القدس، بحيث يصبح كالسائح مضطراً لتجديد تأشيرة إقامته كل ثلاثة أشهر. علاوة على أنه لا يحق للأزواج لم شمل الأسرة عندما يكون أحد الزوجين من خارج القدس، وإلا فالمخالف يتعرض للسجن والشريك لمخالفة مالية.
أهداف إسرائيل لا تطال وحسب المناحي السياسية والديمغرافية، وإنما أيضاً الثقافية والدينية ومنها محو الهويّة العربية والإسلاميّة لمدينة القدس، واستبدالها بهويّة يهوديّة من الناحيتين التاريخيّة والدينيّة. مخططات الهدم والتهجير التي تتسارع خطواتها ترمي تحويل القدس لمدينة يهودية بعد تفريغها من سكانها العرب حتى حدود 2020. وعندما كانت الإحصاءات تشير إلى أن ما يقرب من 260 ألف عربي يعيشون في القدس الشرقية مقابل أكثر من 182 الفاً من اليهود، أتى بناء الجدار لإخراج حوالي 100 ألف عربي منها، من أجل تشييد القدس الكبرى وفرض هيمنة ديمغرافية للمستعمرين اليهود في "غلاف المدينة" أو "الحوض المقدس".
أيضاً يجري فرض الأمر الواقع عبر الاستثمار الاقتصادي والسياحي للإجبار، عندما يتم الانتهاء من ترتيب الوضع، على الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة اسرائيل. لقد ازداد البناء الاستيطاني في النصف الأول من العام 2008، حسب دائرة الإحصاء المركزية، بـ1.8 ضعف مقارنة بالمدة المقابلة العام الذي سبقه. وبالاستيطان المكثف تعمل سلطات الاحتلال على محو ما يسمى بالخط الأخضر. فهناك ما لا يقل عن 192 ألف مستوطن يعيشون بشكل غير شرعي في 12 مستوطنة في القدس الشرقية، تضم أيضاً مستوطنات زراعية وصناعية وعسكرية. تشجع سلطات الاحتلال الامتداد بها وليس وقفها عبر تحفيزات ضريبية ومشاريع تمويلية واسعة. الأمر الذي يخلق واقعاً نهائياً على الأرض، يصبح حاسماً في أية مفاوضات لاحقة.
ما يجري هو أن إسرائيل، التي أعلنت ضم القدس الشرقية سنة 1980 بعد أن كانت قد احتلتها في 1967، رفضت الاعتراف ب19 قرار دولي يعتبر القدس أرضاً محتلة. إلى أن صدر عن الكنيست في أواخر 2007 قرار بعدم التنازل عن شرقي القدس في أي حل تتوصل له حكوماتهم، إلا إذا حصل على غالبية ثلثي أعضائه. الأمر الذي يبدو أكثر استحالة اليوم، مع مجيء حكومة أكثر يمينية وتطرفاً مما في السابق.
في الواقع، منذ اتخاذ الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار 303 في 9 ديسمبر 1949، تم منح القدس وضعاً دولياً خاصاً. مع التأكيد على حماية الأماكن المقدسة فيها وعلى احترام الخصوصيات الدينية والثقافية والاجتماعية لجميع سكانها. لكن دولة الاحتلال وضعته على الرف ولم تحترم يوماً ما ورد فيه. الهيئة المشرفة والمكونة اليوم من الدول الخمسة الأعضاء في مجلس الأمن والتي أنيط بها تطبيق القرار، باتت معطلة منذ 1994 وسريان اتفاقية أوسلو. فالدولة العبرية لم تسمح للأمم المتحدة بممارسة أية سلطة إدارية على القدس، مثلما منعت اي نشاط للسلطة الفلسطينية. الأمر الذي يضر بمصداقية الأمم المتحدة بعيون كل شعوب العالم وليس فقط العربية، رغم اعتبارها أن إسرائيل ألحقت القدس بها باللجوء للقوة العسكرية والاحتلال، والتعامي عن قراراتها بما فيها 181 و242 الصادرين عن مجلس الأمن. كذلك عن قرار الجمعية العامة 303 الذي ينص على أن أي إجراء تتخذه حكومة ما لا يمكن أن يمنع الهيئة المشرفة من الحفاظ على وضعية مدينة القدس كما تبنتها.
وكما يذكر المقرر الخاص بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ما تقوم به إسرائيل لا يمكن تبريره على أساس أنه دفاع عن النفس أو ضرورة، بل تأكيد رسمي بأنها جادة في خرق التزاماتها الدولية. بكل الأحوال، إسرائيل هي الوحيدة بين الدول الأعضاء في الأمم المتحدة التي لا تملك حدوداً معلنة أو دستوراً، والتي اشترطت الأمم المتحدة لقبولها عودة اللاجئين الفلسطينيين وقيام دولة عربية، لكنها ضربت بعرض الحائط بكلي الشرطين. إنها البلد الوحيد أيضاً الذي يجعل من الدين والإيديولوجيا مبرراً لطرد شعب من أرضه وإحلال كل من يقول بأنه ينتمي للدين اليهودي مكانه. أما أولئك الست ملايين نسمة الذين تشردوا من فلسطين في أنحاء المعمورة، فلا يوجد أي اتفاق موقع يقر بعودتهم لوطنهم.
رغم كل المفاوضات والتنازلات والاتفاقات المهينة، لم تلد دولة فلسطينية مستقلة. بل قفز عدد المستوطنين منذ اتفاق اوسلو 1993 في الضفة الغربية من 190 ألفاً إلى نصف مليون اليوم. كما وقضم 25% من أراضيها بتشييد حائط الفصل العنصري وتوسيع القدس والمستوطنات اليهودية في الضفة الغربية. أما ال 22 % من الأراضي التي بقيت من فلسطين التاريخية، فباتت لا تصلح عملياً لإقامة دولة عليها، بعد أن تقطعت أوصالها بين كانتونات منفصلة عن بعضها ومنع أهلها حتى من التواصل فيما بينهم.
ترتيب الوضع هذا وتغيير الطابع الديمغرافي والجغرافي والاجتماعي والاقتصادي للمدينة لم يقابله للأسف سوى اجتهادات فردية ومعارك شخصية، بغياب إستراتيجية شاملة وآليات عمل فلسطينية أو عربية كانت، إسلامية أو مسيحية لحماية القدس. لا توجد سياسة واضحة لمواجهة مشاريع الاستيطان والتهويد، بل ارباك وتشويش، والسلطة تبدو وكأنها لا علاقة لها بأهل القدس أو تعرف كيف تتعامل مع ملف المدينة. كثيرون يحذرون من "أيام سوداء مقبلة على القدس، حيث قد ننام ونصحو على مدينة كان اسمها القدس. أما أهلها الذين يسمعون نداءات الصمود، فلم يصل إليهم بعد ما يدعم هذا الصمود".
ذكر أن باراك قال يوماً لياسر عرفات: أنتم لكم في القدس ما هو فوق الأرض أما ما تحتها فهو لنا، وقوبل هذا الكلام بالرفض. لكن إسرائيل تعمل انطلاقاً من أطماع لا تعرف حدوداً ولا تتوقف عند اتفاق أوسلو أو غيره، إلى أن باتت تمتلك ما فوق الأرض وما تحتها. في حين تدأب السلطة الفلسطينية على إجراء مفاوضات ولقاءات شحيحة النتائج. الأمر الذي يساعد خلال هذا الوقت على سرقة الأرض ونهب ثرواتها وما في داخلها من مصادر طاقة وغاز ومياه وحجارة لتشييد مساكن المستوطنين وحتى من آثار للتزيين بها.
د. فيوليت داغر
شددت الرحال قاصدة مدينة القدس، "العاصمة الموعودة للدولة الفلسطينية المقبلة"، مهبط الرسالات السماوية الثلاثة، ومن أقدم مدن العالم، حيث كان أول من سكنها العرب الكنعانيون ثم اليبوسيون قبل الفلسطينيين. الهدف كان الإطلاع والتواصل مع شعب تقطعت أوصال موطنه بين أجزاء احتل غالبها وكانت قبل ستين عاماً تسمى فلسطين، فلسطين التاريخية. الأمر الذي يعني من بداية الرحلة انتهاك حق الزائر وخاصة العربي في الحركة وفي التعرف عن كثب على أوضاع بلد تحول سجناً لساكنيه الأصليين. هؤلاء المنسيون من العالم الذين تمارس عليهم كل أنواع الضغوط وانتهاك الحقوق للتسليم بأمرهم والرحيل عنه. لتسليم مفاتيحه لشذاذ آفاق قدموا من أرجاء العالم ليغزوا أرضاً روجوا أنها أرض بلا شعب لشعب بلا أرض.
وجوه متجهمة وكئيبة تطالع المراقب، وحركة سريعة للعودة للمنزل ما أن يقترب الليل، ولاسيما تباين هائل بين جزئي القدس الغربية والشرقية. جزء غربي ينعم بنصيب هام من العناية والثروة، وقسم آخر مهمل ومهمش كالأحياء الفقيرة والمعزولة في ضواحي المدن العامرة. فسكان القدس العرب الذين يشكلون 34 % وحيث حوالي الثلثين منهم يعيشون تحت خط الفقر، لا تصرف البلدية على أحيائهم سوى ما بين 5 إلى 10% من ميزانيتها، الأمر الذي يجعلهم يفتقرون للخدمات والبنى التحتية الضرورية.
فمنذ اليوم الأول لاحتلال زهرة المدائن، شرعت دولة الاحتلال بعمليات التهويد المنظم لها، معملة معاول الهدم فيها. هدم المنازل كان أول عمل قامت به ليتوالى بعد ذلك فرض نظام الحكم العسكري والتطهير العرقي والاعتقال والإبعاد وإلغاء حقوق المواطنة. وهكذا، لم يكد يمضي الشهر الأول على نكسة 1967، إلا وقد أزيل 5000 منزل وحارات بكاملها من الوجود، منها حارة المغاربة التي أنشئت منذ عهد صلاح الدين في ساحة البراق. كذلك حولت بعض المساجد لكنس يهودية وأماكن سياحية وتجارية ومرابض إبل. وجرفّت بعض المقابر الاسلامية ونقلت رفات بعض الصحابة لأماكن مجهولة. كما صودرت وثائق المحكمة الشرعية، وهدم مبنى المجلس الاسلامي الأعلى رغم أن صفة الوقفية لا تسقط عنه بالتقادم. ثم جرت عمليات التزوير والحفر «السرية» تحت المسجد الأقصى وما زالت مستمرة. وكشف عن تسجيل وتثبيت 120 عقاراً للمستوطنين من خلال وثائق مزورة وبصورة غير قانونية. وتم السيطرة على أكثر من 60 ألف دونم من الأراضي ومصادرة ما يزيد عن مائة عقار ومنزل تقع في محيط المسجد الأقصى، تم تحويلها لبؤر استيطانية شيد فيها حتى الآن أكثر من 50 كنيساً يهودياً. وهي تستكمل بافتتاح العشرات الآخرين والشروع في بناء أكبر كنيس يهودي في العالم. وهكذا 90% من الأراضي وضعت تحت تصرف الدولة العبرية (بين 34% استيلاء، 40% محميات طبيعية، 10% أراضي مجمدة، 6% بنى تحتية وشوارع).
المسجد الأقصى، الذي تبلغ مساحة ما يشمله من متعلقات ومعالم هامة وآثار 144 دونماَ، لم يتعرض فقط لعمليات السطو عليه والاستيلاء على حائط البراق الذي أسمته سلطات الاحتلال حائط المبكى، بل لهدم تلة باب المغاربة بداية 2007، وإقامة جسر مكانها ومبان وحصون لا علاقة لها بما كان. وقد كثفت عمليات الحفر في ساحاته، ومن تحته في السور الجنوبي منه وصولاً لأسفل مسجد الصخرة شمالاً، ومن شرقه لغربه. كذلك تعرض لشق أنفاق تحته لتمكين دخول الشاحنات والجرافات، ولطمس المعالم والآثار الإسلامية والزعم بوجود هيكل أسفله. مما بات يهدد أساساته وجدرانه والكثير من العقارات والمنازل في محيطه. ورغم تبيان وجود تصدعات وانهيارات في سوريه الغربي والجنوبي، لم تسمح سلطات الاحتلال لدائرة الأوقاف الإسلامية بترميم ما خرّب في ساحته وفي مسجد البراق والمسجد الأقصى القديم والمسجد المرواني والمدارس التي تتبع له.
في حين ما زال الفلسطينيون من سكان قطاع غزة والضفة الغربية يمنعون من الوصول للمسجد والصلاة فيه، توضع تحديدات عمرية لأهالي القدس ولفلسطينيي الخط الأخضر، مع شرط حصولهم على تصريح إداري من السلطات في مكان سكنهم. علاوة على ذلك، فكل ما ومن يهدف لتعزيز صمود الفلسطيني ومناهضة الاحتلال وكشف عمليات التهويد، تشن السلطات حرباً ضروساً عليه. وفي هذا الإطار أغلقت "مؤسسة الأقصى لإعمار المقدسات الإسلامية" في 14 أغسطس/ آب من السنة الماضية، بعدما بدأت بإغلاق مؤسسات للحركة الإسلامية الفلسطينية منذ 1996 واعتقال قياداتها ومصادرة وثائق وأموال تخصها. لتجبرها تحت الضغط المستمر على تغيير سياساتها، تفادياً للاعتقال وإقفال المزيد من المؤسسات. ولإلهائها في الدفاع عن نفسها في حين تستفرد هي بالمسجد الاقصى وبالمقدسات الإسلامية. هدفها من ذلك أيضاً إبراز هامشية المجتمع العربي وتعزيز تيار التخاذل العربي والفلسطيني مقابل مشروع الأسرلة، وتوجيه رسالة مفادها أن حدود التعامل مع الفلسطينيين هي وفق قوانين الطوارئ.
عمليات التهويد تسارعت في الآونة الأخيرة مع العدوان على غزة، وهناك أكثر من 2200 عقار ومنزل والآلاف من الدونمات مهددة بالمصادرة. أما مكتبة الأنصاري، التي هي من أقدم وأهم مكتبات القدس الثقافية العامة، فهي مهددة بالإخلاء والهدم. سلطات الاحتلال تقوم باستعجال اجراءات الضم ومصادرة آلاف الدونمات من الأراضي ومئات العقارات بشتى الحجج وبإصدار العديد من الأوامر والقرارات وما يزيد عن عشرين قانوناً من أبرزها: قوانين مصادرة أملاك الغائبين، والمحميات الطبيعية، والأرض الخضراء، ومن أجل المصلحة العامة، الخ. الهدف بالطبع تهجير أهالي القدس، بحيث لا يبقى بعد عقد من الآن سوى 12% من عددهم الحالي. أي ربع مليون، مقابل رفع عدد اليهود فيها ليصل لمليون نسمة خلال العشرية القادمة.
بخلاف ما يطالبها به المجتمع الدولي وبتناقض مع التزاماتها في خارطة الطريق، تمضي الدولة العبرية بخطى حثيثة في الاستيلاء اللاقانوني على القدس الشرقية وتشييد المستوطنات وهدم منازل الفلسطينيين وبناء الجدار العازل الذي قطع أوصال القدس الشرقية وعمق المشكلة الاقتصادية لسكانها العرب. وتتشدد بلدية القدس في منح رخص البناء للفلسطينيين وتمنعهم من الإعمار والتوسع الأفقي والعمودي بالبناء. وإن تم منح ترخيص استثناءاً فكلفته تتعدى 25 ألف دولاراً للشقة السكنية. مقابل ذلك، يمنح اليهود كل التسهيلات اللازمة برسوم رمزية. الأمر الذي اضطر بعض الفلسطينيين لتشييد منازلهم دون الحصول عليها، مما وفر الحجة للسلطات لهدمها. وعليه، أكثر من 400 منزل قد ازيل منذ عام 2004، في حين ما لا يقل عن ألف ينتظر أوامر الهدم. ذلك حين لا توضع اليد على المنازل ليقطنها إسرائيليون بعد ان يطرد أصحابها منها.
هذه الاجراءات الطاردة تستكمل بسحب هويات من تستطيع لسبب أو لآخر، حيث تم سحب ما لا يقل عن أربعين ألف هوية. في حين يفرض الحصول على بطاقة الهوية "الزرقاء" هذه من الداخلية، إلى جانب الأوراق الأخرى من مثل فواتير الماء والكهرباء وأوراق الضرائب، للتثبت من السكن في القدس. الحجج كثيرة ومنها: تعديل قوانين الدخول والإقامة على أساس سنوات الغياب والحصول على جنسية أجنبية وغيره. وقد بدأت السلطة المحتلة بإغلاق بيوت للمقدسيين بحجة أنهم لم يسكنوها منذ فترة، رغم إبرازهم الأوراق الثبوتية التي تدحض هذه المزاعم. كذلك يمنع الفلسطيني الذي يملك جواز سفر أجنبي من السكن في القدس، بحيث يصبح كالسائح مضطراً لتجديد تأشيرة إقامته كل ثلاثة أشهر. علاوة على أنه لا يحق للأزواج لم شمل الأسرة عندما يكون أحد الزوجين من خارج القدس، وإلا فالمخالف يتعرض للسجن والشريك لمخالفة مالية.
أهداف إسرائيل لا تطال وحسب المناحي السياسية والديمغرافية، وإنما أيضاً الثقافية والدينية ومنها محو الهويّة العربية والإسلاميّة لمدينة القدس، واستبدالها بهويّة يهوديّة من الناحيتين التاريخيّة والدينيّة. مخططات الهدم والتهجير التي تتسارع خطواتها ترمي تحويل القدس لمدينة يهودية بعد تفريغها من سكانها العرب حتى حدود 2020. وعندما كانت الإحصاءات تشير إلى أن ما يقرب من 260 ألف عربي يعيشون في القدس الشرقية مقابل أكثر من 182 الفاً من اليهود، أتى بناء الجدار لإخراج حوالي 100 ألف عربي منها، من أجل تشييد القدس الكبرى وفرض هيمنة ديمغرافية للمستعمرين اليهود في "غلاف المدينة" أو "الحوض المقدس".
أيضاً يجري فرض الأمر الواقع عبر الاستثمار الاقتصادي والسياحي للإجبار، عندما يتم الانتهاء من ترتيب الوضع، على الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة اسرائيل. لقد ازداد البناء الاستيطاني في النصف الأول من العام 2008، حسب دائرة الإحصاء المركزية، بـ1.8 ضعف مقارنة بالمدة المقابلة العام الذي سبقه. وبالاستيطان المكثف تعمل سلطات الاحتلال على محو ما يسمى بالخط الأخضر. فهناك ما لا يقل عن 192 ألف مستوطن يعيشون بشكل غير شرعي في 12 مستوطنة في القدس الشرقية، تضم أيضاً مستوطنات زراعية وصناعية وعسكرية. تشجع سلطات الاحتلال الامتداد بها وليس وقفها عبر تحفيزات ضريبية ومشاريع تمويلية واسعة. الأمر الذي يخلق واقعاً نهائياً على الأرض، يصبح حاسماً في أية مفاوضات لاحقة.
ما يجري هو أن إسرائيل، التي أعلنت ضم القدس الشرقية سنة 1980 بعد أن كانت قد احتلتها في 1967، رفضت الاعتراف ب19 قرار دولي يعتبر القدس أرضاً محتلة. إلى أن صدر عن الكنيست في أواخر 2007 قرار بعدم التنازل عن شرقي القدس في أي حل تتوصل له حكوماتهم، إلا إذا حصل على غالبية ثلثي أعضائه. الأمر الذي يبدو أكثر استحالة اليوم، مع مجيء حكومة أكثر يمينية وتطرفاً مما في السابق.
في الواقع، منذ اتخاذ الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار 303 في 9 ديسمبر 1949، تم منح القدس وضعاً دولياً خاصاً. مع التأكيد على حماية الأماكن المقدسة فيها وعلى احترام الخصوصيات الدينية والثقافية والاجتماعية لجميع سكانها. لكن دولة الاحتلال وضعته على الرف ولم تحترم يوماً ما ورد فيه. الهيئة المشرفة والمكونة اليوم من الدول الخمسة الأعضاء في مجلس الأمن والتي أنيط بها تطبيق القرار، باتت معطلة منذ 1994 وسريان اتفاقية أوسلو. فالدولة العبرية لم تسمح للأمم المتحدة بممارسة أية سلطة إدارية على القدس، مثلما منعت اي نشاط للسلطة الفلسطينية. الأمر الذي يضر بمصداقية الأمم المتحدة بعيون كل شعوب العالم وليس فقط العربية، رغم اعتبارها أن إسرائيل ألحقت القدس بها باللجوء للقوة العسكرية والاحتلال، والتعامي عن قراراتها بما فيها 181 و242 الصادرين عن مجلس الأمن. كذلك عن قرار الجمعية العامة 303 الذي ينص على أن أي إجراء تتخذه حكومة ما لا يمكن أن يمنع الهيئة المشرفة من الحفاظ على وضعية مدينة القدس كما تبنتها.
وكما يذكر المقرر الخاص بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ما تقوم به إسرائيل لا يمكن تبريره على أساس أنه دفاع عن النفس أو ضرورة، بل تأكيد رسمي بأنها جادة في خرق التزاماتها الدولية. بكل الأحوال، إسرائيل هي الوحيدة بين الدول الأعضاء في الأمم المتحدة التي لا تملك حدوداً معلنة أو دستوراً، والتي اشترطت الأمم المتحدة لقبولها عودة اللاجئين الفلسطينيين وقيام دولة عربية، لكنها ضربت بعرض الحائط بكلي الشرطين. إنها البلد الوحيد أيضاً الذي يجعل من الدين والإيديولوجيا مبرراً لطرد شعب من أرضه وإحلال كل من يقول بأنه ينتمي للدين اليهودي مكانه. أما أولئك الست ملايين نسمة الذين تشردوا من فلسطين في أنحاء المعمورة، فلا يوجد أي اتفاق موقع يقر بعودتهم لوطنهم.
رغم كل المفاوضات والتنازلات والاتفاقات المهينة، لم تلد دولة فلسطينية مستقلة. بل قفز عدد المستوطنين منذ اتفاق اوسلو 1993 في الضفة الغربية من 190 ألفاً إلى نصف مليون اليوم. كما وقضم 25% من أراضيها بتشييد حائط الفصل العنصري وتوسيع القدس والمستوطنات اليهودية في الضفة الغربية. أما ال 22 % من الأراضي التي بقيت من فلسطين التاريخية، فباتت لا تصلح عملياً لإقامة دولة عليها، بعد أن تقطعت أوصالها بين كانتونات منفصلة عن بعضها ومنع أهلها حتى من التواصل فيما بينهم.
ترتيب الوضع هذا وتغيير الطابع الديمغرافي والجغرافي والاجتماعي والاقتصادي للمدينة لم يقابله للأسف سوى اجتهادات فردية ومعارك شخصية، بغياب إستراتيجية شاملة وآليات عمل فلسطينية أو عربية كانت، إسلامية أو مسيحية لحماية القدس. لا توجد سياسة واضحة لمواجهة مشاريع الاستيطان والتهويد، بل ارباك وتشويش، والسلطة تبدو وكأنها لا علاقة لها بأهل القدس أو تعرف كيف تتعامل مع ملف المدينة. كثيرون يحذرون من "أيام سوداء مقبلة على القدس، حيث قد ننام ونصحو على مدينة كان اسمها القدس. أما أهلها الذين يسمعون نداءات الصمود، فلم يصل إليهم بعد ما يدعم هذا الصمود".
ذكر أن باراك قال يوماً لياسر عرفات: أنتم لكم في القدس ما هو فوق الأرض أما ما تحتها فهو لنا، وقوبل هذا الكلام بالرفض. لكن إسرائيل تعمل انطلاقاً من أطماع لا تعرف حدوداً ولا تتوقف عند اتفاق أوسلو أو غيره، إلى أن باتت تمتلك ما فوق الأرض وما تحتها. في حين تدأب السلطة الفلسطينية على إجراء مفاوضات ولقاءات شحيحة النتائج. الأمر الذي يساعد خلال هذا الوقت على سرقة الأرض ونهب ثرواتها وما في داخلها من مصادر طاقة وغاز ومياه وحجارة لتشييد مساكن المستوطنين وحتى من آثار للتزيين بها.
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)