بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، 20 يناير 2011

"أهمية الانتحار في هذه المرحلة، وفوائد الانتحار التتابعي!"

"أهمية الانتحار في هذه المرحلة، وفوائد الانتحار التتابعي!"

د. إسلام المازني

لماذا هذه الكلمات؟

"أعلم أن المنتحرين- والذين يفكرون في قتل أنفسهم من المسحوقين- قلما يقرؤون على الشبكة، لكن عسى أن تصل بعض كلمات من رسائلنا إليهم نقلا وحكاية، أو إلى من حولهم، فيبلغونها لهم مشافهة، أو نصية عبر الهاتف المحمول، باختيار جمل وأشعار من هذه الرسالة، والمحمول في أيدي أكثر الناس..

وكذلك عسى أن تصل الرسالة إلى المشجعين، الذين يريدون التغيير ولو بهذه الطريقة اللئيمة.. ويشجعون الفكرة ويرفضون تجريمها بدعوى انه غض للطرف عن تجريم الأنظمة التي هي سبب.."

ألا هل لداعي اللّه في الأرض سامع = فإني بأمر اللّه يا قوم صادع

وهل من يرى للّه حقاً ومرجعاً = إليه وأن الدين لا شك واقع

وهل من يرى أن الحقوق التي دعا = إليها رسول اللّه غفل ضوائع

ثلاث رسائل قصيرة عبر الهاتف وصلتني كردود أفعال على موجة الانتحار:

"لدي مريض بحاجة إلى عشرة أكياس دم، وجزء من الكبد للتبرع، وحالات صعبة فعلى من يود الانتحار الاتصال بي لنأخذ كل الأعضاء السليمة"

"وماضاقت الدنيا الغرور وإنما = يضيق ضعيف العزم عن طلب الشغل"

" لو ركبوا قوارب الموت هربا لأوروبا لكان أفضل"

هذه كانت عينة لا أقرها لاختزالها وأسلوبها... والأن:

انتشر الانتحار بلمح البصر، نتيجة القهر؟ نعم، وكذلك نتيجة تمجيد المنتحر وجعله رمزا!

عيب وخيبة كبيرة أن يدافع العقلاء عن المنتحر!

عيب أن يصير شهيدا..!

ربطوا الجياد على الجهاد ورابطوا = يبغو الشهادة في رضا الوهاب

هذا لم يكن حادثا غرق فيه لا إراديا، أو مضمارا أرخص نفسه فيه لله تعالى، لتكون كلمة الله هي العليا...

لم أقل أنه من العيب مواساة أهله، أو رجاء التجاوز الرباني عنه في دار القرار لظروفه.. ولم أقل أن المنتحر سيء والحكومات صالحة جميلة حسناء غير فاجرة ولا نازية..

وأنا لا أتكلم وأنا قاعد في بيتي خال من القهر، وأنظر وأحلل وأتفلسف وأدين المحترق، بل دفعت ثمن كلامي مرارا وغاليا، وليس هذا سرا, وهذا التنويه لا أقوله إلا لأنه لابد من قطع الطريق على الذين يلقون بالتهم على الناطق، لرفض المنطق والمنطوق به! حرصا على الحقيقة وليس على شخص، لأن التشويه يطال المعلومة ويطمسها، عندما يقال هؤلاء نخبة صالونات أو دعاة سلبية.. ولا أبرئ نفسي لكن حسابها على الله.. ما لم يكن لأحد حق شخصي فليأخذه.. ولا أحب الصالونات.. فاسمعوا قولي ثم تدبروه، وخذوا حقه ومجوا باطله

وعلى أية حال فالقول- أي قول- لابد أن ينظر إليه، لا إلى من قاله، كما وضح العقلاء النبلاء من العلماء السالفين..

"انظر إلى ما قال، ولا تنظر إلى من قال"

فقد قال الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم عن إبليس: صدقك وهو كذوب

ولم يترك قوله لأنه صدر من شيطان مارد

تنتحر لظروف سيئة؟

والسعي في تحسينها = للمؤمنين من العباده

ما الانتحار لمستطي = عٍ أَن يعيش سوى بلاده

إثم نصيب المرء من = هُ عكس منزلة الشهاده

ما إن يحاوله امرؤ = ذو مسكة وله إراده

نعم..

نعزي أهل المنتحرين وهم أهلنا، والذين ماتوا قطعة منا، ونعم.. هناك تعاطف واجب مع المنتحرين جميعا، ولسنا قساة، بل هو الحزم والعدل وإن كان حدا وحادا، وتعاطفنا ليس منة من أحد، وهناك رجاء التجاوز والصفح بلا شك، و نعم ثالثا.. لا يصح غض النظر عن الجرم الأكبر للنظام الذي دفع بالمنتحر للإحباط، بطحنه ماديا ومعنويا، وبسرقة حقه -ككائن حي، وليس فقط كإنسان- وقهره، وكذلك بما فعله من أنه رباه وربى الشعوب كلها على صورة شخص "مسخ" لا هو شرقي عريق، ولا هو غربي صميم، من خلال إعلام خشبي تافه وعار، ومفرغ من القيم والإيمان، بل ومفرغ كذلك من التفكير العملي الموضوعي، والمادي العقلاني الغربي، فلا هو روحاني ولا هو نفعي، ولا هو أكاديمي حضاري تقني مبرمج، ولا هو بطل شجاع أبي مناضل، ولا يخرج تعليمنا وإعلامنا وثقافتنا كوادر أوروبية تعمل وتنتج وإن كانت بلا ملة.. حتى ذلك ضنوا به علينا، فلن نصير دولا متقدمة، ولن يعلمونا-إلا تعرية المرأة- ولن يطورونا، وليس هذا المنتحر أي شخص بل هو كل شخص، وليس ابن البلد المصري الأصيل، ولا ابن يعرب الأبي الأنف، ولا ابن ال... الذي لا ينام ولا يستسلم، وما هو... إلا شخص مسكين سلب حقه في التعليم الصحيح، وفي التربية وزرع معالم الخير، أو حتى معالم الحرص والكياسة.. بل سلب حقه في الطعام والحركة والسفر بل وفي الكلام .. بل وفي الإيمان، فضلا عن الحقوق الغريبة التي نسمع عنها: حقه في اختيار من يمثله أو من يحكمه! هو أصلا لا يمثل شيئا.. عندهم، وكذلك عند نفسه!, بات أقصى طموحه لقمة وسقف.. وألا يهان كثيرا...

وسلب حقه في الحياة، أي حياة، لا كريمة ولا مهينة، وسلط عليه ثقافة وإعلام محبطان، ودافعان للقهر واليأس من كل شيء، حتى من الدين ورجال الدين، الذي لن يكلف مالا ، فصار هشا ينكسر بل يتفحم مع البلاء، بل يشعل نفسه، ويتفاعل بشكل غير مشروع وغير معقول..

وليس نظاما واحد فعلها، بل تواطأت عصبة دولية على إبقاء الوضع كما هو .. ولا يتغير إلا اضطرارا, وبطلب من صاحب مصلحة من الكبار.. إلا أن يفيق نصف العالم.. عالم نصفه ذئاب ونصف نعاج..

وءاخر من تكلم عن تونس الحبيبة الرائعة، وعن محارقنا هو هيئة الأمم المنتحرة، هذه أشكال كأقنعة الحفلات التنكرية، يعني لو خلعوا الوجوه ستجدهم كلهم نفس الشخص في المجموعة الدائمة لمجلس الأنس...

على أية حال.. إدانة الانتحار هنا لا تختفي، ولا يحمل أحد وزر أحد، بل يحمل معه وزرا دون أن ينقص من وزره..

وإن كنا نقول أن هناك فوق العقول من يفتنها بشتى الطرق والمغريات القذرة ويحبطها بالصور الفجة الداعرة، وشاركه المجتمع المحيط بإنتاجه لثقافة سلبية خانعة..

أمتنا لا تنتحر..

في الغرب وأقصى الشرق "اليابانيون" مارست طوائف منهم الانتحار الجماعي، والطوائف الضالة الكثيرة

وكم في مصر من غرّ غبيّ = تمتع بالجميل وبالثمين..

فهل سيلقي المصريون أنفسهم في ماء النيل؟

في مقابل ماذا؟

أحاجيك ما تبغيه من شرف القتل = ولم يرضه إلا ضعيف أخو جهل!

ولأين أنت ذاهب؟ هل تضمن أن الألم هناك أقل؟ معك صك وعهد من الله؟ هل تضمن أنك لن تجد نفس الوجوه الكالحة التي حطمت حياتك معك هناك؟ لفترة- تطهيرا لك- أو للأبد!

لست من العشرة المبشرين بالجنة! تذكر هذا

تترك لهم الدنيا؟ ولا تقف بشرف ولا تكافح لتعول نفسك وتغير الكون، تتركه لهم بعد أن فعلوا بك كل هذا؟ ولا تضمن أنك لن تعذب بجوارهم هناك؟ ولن تستطيع الرجوع لإصلاح ما أفسدت والتوبة

المزهقون نفوسهم = لا يقدرون على الإعاده

ليسَ الفرار من التكا = فح للحياة من الجلاده

هناك خلق كثيرون رأيتهم بعيني ظروفهم أصعب من كل المنتحرين الذين ظهروا، وعناؤهم كان أطول زمنا بكثير وأشد مرارة، ولم ينتحروا، ولم يترددوا أصلا في رفض هذا الخيار، وهو حل سلبي، وحتى حين يبدو اعتراضيا وتحذيريا فهو محرم قبيح، والصلابة النفسية تصبر المرء، وهي لدى غير المؤمن كما المؤمن، ولكنها أكبر وأجمل لدى المؤمن، وخير عاقبة ونتيجة، ومعها مدد يظهر للمستبصر ماديا ومعنويا وألطاف كثيرة.

قل: اللهم املأ قلبي بحبك

بحق من أحياك، كفاك البكاء هائما كفاك، ما لذاك فائدة، ولا لذاك خلقت، لا تدع اليأس يستحكم

منك، ولا تعول على الانتحار فبئس القرار، ولا فضل لك ولا منك فيه!

رأيت الفتى يمشي مخافة فقره = الى الحتف أعمى، ضل واضحة السبل

يحاول أن يعزي الى الفضل بعدها = وما عد قتل النفس شيئاً من الفضل

إذا طاح من يأس عرفناه ساخراً = بأقضية الرحمن في حكمه العدل

أتنتحر وتترك الحَياة لِهم؟ لينعموا ويضحكوا على غبائك، أتأتي معصية تؤذي فيها بدنك، وقد كنت تأبى أن تصيبك في الله مصيبة في سبيل الطاعة، وتقول سأمشي بجوار الحائط مخافة الأذى..

فالأن تفعل الأذى، ولا أجر لك ولا كرامة!

إذا انتحرت انتحار العير نجزرها = جئنا اليك بفحش الهجو تأبينا

فلا محاسن يوم الموت نذكرها = لو كنت إسكندرا أو كنت قارونا

ولا رواك الحيا إلا بداجنة = تسقي ضريحك زقوما وغسلينا

أتنتحر وتكون أَولَ هالِك في عائلتك بهذه الفعلة القبيحة؟

أشَرّ فعل البرايا فعل منتحر = وأفحش القول منهم قول مفتخر

لم نقل ارض بالقدر ونم في فراشك، بل ارض بالقدر الرضا الصحيح الإيجابي وخذ بأسباب التغيير، تنل رضا الراضين وشرف الساعين، وأجرا لا يضيع أيا كانت النتيجة الدنيوية..

لا تحترقوا ولا تشجعوا الناس بهذا الشكل، وإلا فقد سلكتم غير سبيل المؤمنين

وهذا انتحار للأمة بشكل جديد.. حتى وإن أعقب نتيجة مادية لفترة، فإن المشهد الأخير ليس في الدنيا

وأوافيكم بما سطرت منذ فترة للمنتحر على فراشه بالإبرة المسماة بالموت الرحيم، وهي إحدى تجليات الحضارة -زعموا- الغربية:

لا تترك الذكر!

فتعلم من القرآن كيف تحفظ طاقتك وقلبك وعقلك وفكرك وثروتك، ولا تستجدي بها، ولا تشغف بالأمل، ولا تتلهف لاهثا..

اصبر لأمر الله، في نومك ومرضك وكفاحك ونضالك! وتحقق تمام المعنى: {يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ} والمعنى متحقق يقينا من الآن لكن تلك ساعة المعاينة ولمس الحقيقة وشهود النظر للرب تبارك وتعالى، كما ترى القمر ليلة البدر لطالما سمعت نداء كتابه ودعاءه وقرأت كلامه وتفكرت وآمنت بيقين معيته لك وإحاطته بك اليوم تراه اليوم تدخل الباب باب الجنة!

الرحمة في الدنيا

ومفهوم الرحمة ليس فقط الفرج المادي فالدنيا ليست منتهى الأمل وغاية المنى! {أمرا من عندنا} {رحمة من ربك} (سورة الدخان).

هذا وهو صلى الله عليه وسلم في جوع وظمأ وحصار وتعب وسخرية من السفهاء، وليست من حكماء يريدون إقناعا! وهي سخرية مرة المذاق وتكذيب من الكذابين الفجار! وهو الأمين! فكيف يكون حسك لو لقيت هذا؟ أهذا أم نومتك في العناية المركزة؟ سبحان الله إن كل من يتحقق من مسألة الموت الرحيم طبيبا كان أو مريضا لهو في غيبوبة وليس المريض إن كان غافلا عن القرآن كأن الحق يناديك:

هذا هو الامتحان.. مقامك في الأرض.. وسأكون معك..

{فأسر بعبادي ليلا إنكم متبعون} فليس معنى أنك عبد صالح أو نبي! أني سأخرق لك السنن دوما بل سر وسأكون معك.

أنت في الامتحان وأنا معك، ومحيط بك، وفوق كل شيء والجزاء عندي والنتيجة من أمري لا تقلق

سبحان الله... {فأسر بعبادي ليلا}

نصيحة مادية عادية

وسط الظلام والهواء والبرد والحر وكل خطر سر

وأنا معكم

فوضوا الأمر

توكلوا علي

وثقوا بي

والجزاء لدي...

أحبابي

تعلمنا من سلفنا أن كل شيء في الدنيا قرض مسترد، ونحن محفوفون بالموت، ولا نحفظ أنفسنا من الآفات بسبيل، ولا وجودنا بيدنا، بل نحن عبيد مأمورون متصرف فيهم! لا ملاك!

ليس لنا تأثير ولا ملك حقيقي! ففيم الاعتراض؟

{أمن يجيب المضطر}!

المضطر من نفذت أسبابه.. فماذا تعلم المؤمن من السعي بين الصفا والمروة وانتهائه بمعجزة فوران بئر زمزم؟

حين تسعى وتنفذ أسبابك لا تيأس!

تابع بقدر ما أوتيت من حياة ولا تيأس

حتى مع الشلل؟

نعم كل صفة تظهر في خلقه وكونه ولابد من عبودية لها وهي عبودية القلب لصفات الرب! وإلا فيقينه لعب!

فتأمل ثم اجمع بين الفهم والتطبيق! أي العمل والتصرف على ضوء فهمك وعلمك، وعلى أساس ما وصلك من صفات لله، وليس كأنك لا تعرف!

وإلا:

أيا مسلم ما غير الله نعمة ... على عبده حتى يغيرها العبد

فلابد لك من معرفة صفة الله تعالى ثم التركيز فيها بقلبك والشعور بها! ثم تحسس أثرها في قلبك

ما التغير؟ ثم تعبد بها! ثم ادعه بها سبحانه! سله بكل اسم هو له! ثم انظر بماذا تشعر!

وجدت نفسك حين فتحت أنوار الكتاب وفهمت أنه ليس كلاما فصيحا فقط!

وصار صاحبك القرآن وفهمت ما لم يفهمه صحبك من حقوق وواجبات من حقائق باهرات ..

فهناك حق العبودية بكل صفة له سبحانه! على كل مخلوق... فلو تيقنت وتعمق وترسخ لديك العلم بقدرته، وبأن مقاليد الأمور وملكوت كل شيء والحياة والموت والرزق والنفع والمنع بيده! وترسخ فيك كل هذا، فالنتيجة ستكون شعورا باطنيا راقيا عاليا عميقا محركا لك! بالخضوع الداخلي والخارجي ، ويبدأ الأثر في تصرفاتك واختياراتك وطريقك وعملك ومواقفك! واستغلالك لأوقاتك!

ولو لم يظهر؟

وجزعت مع الصدمة؟ أعيذك من هذا وأوصيك بالصدق وإتباع القول العمل

وأراك تفعل ما تقول وبعضهم ... مذق الحديث يقول ما لا يفعل

وهذا الأثر هو الثمرة الظاهرة ومعه تأتي الطمأنينة والإنابة والمحبة، وهي الثمرة الباطنة.

هذا سيعطيك قوة، ليست قوة الصبر على المصائب فقط، بل قوة عدم الخوف، لأنه لن يكون ما لم يقدر!

وأما ما قدر وكتب فلن يتخلف ولن يتأخر ولن يتقدم!

فمم تجزع، ليس هناك مفاجآت، اعمل فكل ميسر لما خلق له، وإن كانت لك مصيبة في أم الكتاب فهي واقعة في الحالين، فبادر أنت بالعمل لتكون مأجورا على المصيبة.. بدلا من أن تأتيك وأنت مقصر متواكل، وقف موقفا شريفا من مسؤولياتك بلا رعونة وبلا تردد، بعد أن تفكر وتتدبر الحكمة لا أن تساق بعاطفة فقاعية..

فالحياة الداخلية لقلبك ـ التي تختلف عن النبضات في غرفة العناية المركزة - بيقينه وثقته وتعلقه برضوانه سبحانه ستثمر حماية القلب من الأمراض ومن الهلاك! من الجزع والطمع والشح والهلع!

من الخواء والقلق والتوتر والذعر..

من الحزن المرضي والفرح الهوسي!

وستثمر ظاهرا حفظ البدن والأعضاء عن الدنايا والرزايا والموبقات والمفاسد!

لأنه سيصير شغوفا بالترقي مزدريا للتولي وطالب النور مبصرا مصونا! أما القانع بجهله الوالغ في غيه:

إذا أنتَ لم تُعْرِضْ عنِ الجهل والخَنَا = أصبتَ حَليماً أو أصَابَكَ جاهل!

وتثمر كذلك حفظ اللسان عن اللغو والثرثرة! نتيجة حرصك على رضا مولاك ويقينك بصفاته، وأن الله معك بعلمه وشاهد عليك، وخبير بما في صدرك: {بِذَاتِ الصُّدُورِ} وبما {تُخْفِي الصُّدُورُ}! و{يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ}!

فلو علمت وثبت لديك بالنظر والتدبر ويقين الفطر أنه رزاق وأنه وحده يتحكم في كل شيء والأسباب تعمل بأمره وتقف بأمره.. فلن تكون هناك ذلة منك لأحد غيره.. وهذا منتهى العز في الدنيا والآخرة..

ومن مقتضاه أنك لن تخاف الموت وأنت صحيح!

بل تحب الشهادة:

من كان يكره أن يلقى منيته = فالموت أشهى إلى قلبي من العسل!

وبالمثل يقينك بصفات الغنى والكرم والرحمة والإحسان والجمال سيثمر أملا كبيرا وتعلقا وحبا وجوا من البهاء والسناء والطمع في رحمته وأعمالا بأعضائك مبعثها أملك ورغبتك وتطلعك.

ومبعثها الحب والشوق لرؤية الخلاق العليم! الذي هو جميل ويحب الجمال!

وبيانه يناديك في الكتاب كأنما هو قائل لك: أنا خلقتك وسأعينك! ولو أخطأت سأتسامح معك لآخر لحظة في عمرك، فتب إلي أتب عليك، وتعلم سبيلي أرفعك درجات عاليات!

ويأخذك القرآن كأنما نزل لك ولحالتك، ويدرك كل فكرة تنبت فيمسكها! ثم ينتقل للتي تليها بمجرد ما تقفز لذهنك، وكل شعور يعالجه ويداويه! وأنت منبهر من العرض والمحتوى والتسلسل! ومن الكشف عما بك ويجعل أنفاسك تتلاحق..

***

أحين تزول الراحة يتمنى الموت، لا طلبا في الجنة.. لكن يأسا من الحياة..

أحمل رأساً قد مللت حمله= وقد مللت دهنه وغسله

ألا متى يطرح عني ثقله؟!

أكنت حيا لذلك؟ لتحمل وتغسل وتدهن؟

فأين مفهوم البلاء الذي هو مقتضى التفريق بين الدارين في الكتب الثلاثة؟ وهل ولد ليتنزه؟ وميثاق خلقه سؤال العافية أو رفض الحياة؟ وهل سيقضون بأنه لا يخرج عن مسمى الإيمان؟ إن قصة الذبح والفداء معترف بها، بغض النظر عن الذبيح لدى أهل الكتاب! فسبحان الله... إن حكمة الابتلاء أو الأمر قد تخفى فهل نحن شركاء للآمر كي نعترض؟ ونستبق اللقاء؟ فماذا لو كان الميزان تنقصه حسنة, كلمة أو لحظة امتنان وندم؟!

طبيعة الدنيا يا قوم

انظروا عباقرة السلف

"ينبغي للمتيقظ أن لا يتأسف على ما فات، وأن يتأهب في حال صحته قبل هجوم المرض، فربما ضاق الوقت عن عمل واستدراك فارط أو وصية فإن لم تكن له وصية في صحته فليبادر في مرضه وليحذر..

ينبغي للعبد أن لا ينكر في هذه الدنيا وقوع هذه المصائب على اختلاف أنواعها ومن استخبر العقل والنقل أخبراه بأن الدنيا محل المصائب، وليس فيها لذة على الحقيقة إلا وهي مشوبة بالكدر فكل ما يظن في الدنيا أنه شراب فهو سراب، وعمارتها وإن أحسنت صورتها خراب، وجمعها فهو للذهاب، ومن خاض الماء الغمر لم يخل من بلل، ومن دخل بين الصفين لم يخل من وجل، فالعجب كل العجب ممن يده في سلة الأفاعي كيف ينكر اللسع؟! وأعجب منه من يطلب من المطبوع على الضر النفع!!".

ثم ما يدريك أنك لن تموت عاجلا؟

والسليم تأتيه لحظة فيقضي نحبه دون سابق إنذار! والميئوس منه يفيق بعدما كتب على ملفه: لا ينعش!

فلم تنجه مل الموت حزم وحيلةً = وقد كان محتالاً كثير التجارب!

يجب أن ننظر فيما بقي من نعم ونحمد الله عليها:

قليلا ما تشكرون..

سبحان الله..

نعم.. والله عددت اثنتين فأخجلني قصور لساني وقلبي عن شكرهما، وتصورهما أصلا وتقديرهما...

أستغفر الله.. الحمد لله.. أوزعنا يا رب الشكر والصلاح.

فاغسلوا أنفسكم يا قوم.. وخافوا الحق لا تبادروا! بل اعملوا بما بقي لكم من قدرة فيما بقي لكم من وقت، كيف أطمئن لعملي وأنهي فترة الزرع وأذهب للحساب بنفسي؟ عسى ألا تكون سبقت لي الشقاوة أو نسج تابوتي من نار!

وبعد الآن ولا أدري! وهي فرصة للأحياء قبل بغتة موت كتلك:

* يجب تقدير النعمة قبل أن تزول.

* يجب تفقد القلب واختباره ومعالجته والبحث عن تصفيته.

لله خالق كل شيء كما هو جلي! لم يخلق شيئا عبثا، والعدل أصيل! والقيامة حتم لتمام الحكمة! ففيم تعجلك؟

يوما ما سيسألك الله: هل رأيت نعيما قط؟ أو: هل رأيت بؤسا قط؟ فهل أنت مستعد؟

قد يقيمك الله ثانيا من نومتك وهذا العجز التام! فهل تتأبى؟

الله عظيم! خلق هذا الإبداع المعجز المرتب بعناية فائقة، ويتصرف بشكل خارق للأسباب ليرينا وجوده ويقربنا منه، ويحق سننا عادلة ثابتة في الكون..

أفلا شغلت فكرك به وروحك معه؟ إن كان لك دين؟ وبقي فيك عقل؟

ووحّشوا بكتاب الله واتخذوا = أهواءهم في معاصي الله قربانا

الله تعالى منزه عن مشابهة الخلق، وصفاته ثابتة كاملة جميلة جليلة، كلها خير وهيبة وعدل وكيفيتها لا ندركها، فذاته سبحانه ليس كمثلها شيء ولا نحيط بها علما.

وكل اسم حسن لله له تأثير وينبغي أن ينعكس علينا لو عرفناه!

وكل صفة عليا تستلزم وتحتم ظهور أثر في شعورنا وإحساسنا وعواطفنا، وفي فكرنا وعقلنا وعقيدتنا، وفي سلوكنا وتصرفاتنا! فنسير في أعمالنا كأننا نرى الله تعالى ونتلمس رضاه عالمين أنه تعالى يرانا بلا مرية.. فإذا بادرنا بالتغيير والنهضة فهي على نور من الله، وهو واجبنا أن نغير بل سنمسخ قردة وخنازير إن بقينا كما نحن، لكنا نغير بكل طريق مشروع! فلسنا ملحدين، فهل صلى الفجر يومها من نحر نفسه؟ وهل قرأ يومها ورده؟ ثم مضى ليحرق نفسه؟وهل رضي الله عنه وهو يهدم بنيانه ويجزع؟ وهل هذا هو سبيل الله؟

وإن كان هو غير ضابط لتصرفاته ساعتها فهل كلنا كذلك، ونحن نصفق ونشجع المنتحر التالي؟

الثلاثاء، 11 يناير 2011

بمناسبة الصعيد الدامي اليوم

بمناسبة الصعيد الدامي اليوم

لا توجهوا غضبكم لبعضكم، ولا تفتتوا مصر، مهما حدث تذكروا مصر لنا معا..

أيا كان الماضي والقادم..يجب أن نفوت الفرصة ونكظم الغيظ، ولا نحاسب الجميع بجريرة قلة فعلت أو تهمة لفقت لمجموعة، مصر لا يصح أن تصبح مصرين أو مصر سابقا.. أوخمس دويلات متناحرة، أو الاتحاد المصري الفيدرالي.. مصر تشرفت بالجميع ولا نفرق بين الرسل، احتضنت أمنا سارة ومارية، وءابائنا إبراهيم ويعقوب وإدريس ويوسف وموسى والمسيح وأمه الطاهرة، عليهم الصلاة والسلام ، نعالج معا الأسباب بعد أن نتفق عليها معا، ولو لم تعالج بنا فلن يعالجها لنا التقسيم ولا التطاحن، وسيندم كل من شارك، ولن يرحم التاريخ هؤلاء، ولا عذر لهم أمام رب السماء.. حتى لو لأينا حق فهناك عقل وحكمة، ونظر للعاقبة ببصيرة، فليتنازل كل عن ثأره المظنون أو المكنون، أو ليتنازل عن حقه المتيقن، والتنازل عن الحق من خصال الأنبياء درءا للفتن، قبل أن ندخل في لعنة أبدية يباركها مجانين وجهال وأغبياء وتجار حروب ومرتزقة يلبسون كل الأزياء ومن كل الملل، ودونكم الأمثال في الماضي والحاضر


السبت، 8 يناير 2011

العلم

فالعلم بالأبدان عصمة من الأدران، كما أن العلم بالقرءان عصمة من الافتتان
خاصة في زمان الفتن وتشعب الأقوال وتلبيس كل قول لباس الدليل الصائب وهذه هي طبيعة الفتن فلو كان الباطل يقول أنا باطل ودليلي باطل ما تبعه كثير من الناس

الأربعاء، 5 يناير 2011

النائحة المشتراة لا المستأجرة وتأجيج الفتن

إلى كل كاتب وناطق: نصف الحقيقة أسوأ من الكذب لأن المتلقي يتأثر ويتوكأ على النصف ليصدق وينفعل ويفتن
**
نصف الحقيقة لا يحل المشكلة بل هو أسوأ من الكذب لأن الكذب يرفضه العقل فورا
**

وقد تجلى هذا في الأزمة الحالية وصير الفتنة فتنا

وَلا خَيرَ في عَيشٍ يَكونُ قِوامُهُ * بِمِحنَةِ مَكذوبٍ وَمِدحَةِ كَذّابِ

ولو كان الأمر كما اعتدنا من أكثر الوسائل مسألة تشويق وإبهار لزيادة مشاهدة القناة أو الصحيفة لما كان بنفس السوء فالأن صار مشاركة في فتنة تسفك فيها الدماء والأخلاق وتقوض المقدرات..

يؤَجج بينه فتناً تحاكي * شبوب النار في الوادي الحطيب

لا أراكم الله مأساة أخرى كالتي نشربها، ردود الأفعال باتت نكايات وخانكيات، على مستوى النائحة المشتراة لا المستأجرة.. ورقيا وفضائيا وبرامجيا، وعلى المستوى العولمي،
ومنطق معوج ثان هو قول بعضهم دوما على الخطأ الفاحش، وما العيب في كذا؟ ليهز ثقة المتلقي في ثوابته
والإشكال الأخر في الفتنة عند من ينطقون بأشياء بطريقة توحي بأنها مسلمات بدهية منطقية، وأنها عين العقل ثم
يقيمون بها مواقف الناس، ويحاكمون تصرفاتهم ومشاعرهم وتفكيرهم
ويضعون هم الحل الأمثل ..

يحبون الثناء على نكير * ويبغون المديح على معيب

الأحد، 2 يناير 2011

الدين في سماء بعض الناس صار جانبا من الحياة

والكارثة أن الدين في سماء بعض الناس صار جانبا من الحياة
مثل الصحة والحالة المادية والعلاقة بالجار
وصار كتابا فيه فقط طريقة الصلاة، ومعاني الأذكار ونصاب الزكاة
ولم يصر روحا من الله، وحبلا موصولا بالسماء كل لحظة، ونورا يكشف كل شيء، ونظاما يضع كل أمر في نصابه، ودليلا يدل على السبيل، ويعطي الزاد مع الدليل، ويبين البداية والغاية والمصير

كلنا عبرنا عن ألمنا وأسفنا وعميق حزننا لما حدث ولما وصلت إليه الأمور لكن

كلنا عبرنا عن ألمنا وأسفنا وعميق حزننا لما حدث ولما وصلت إليه الأمور لكن
الفقرة الأخيرة من الأزمة كشفت عن مشكلة في الوعي ومنهج الفهم والمرجعية فلا يوجد حد أدنى للتفاهم وكل يقرأ الحدث كانما هو منفصل عن كل ما قبله وما حوله ويتفاعل معه دون نظر
لأي اعتبارات وتبعات لما يفعله
أو لما ينطق به ثم يسطح رد فعله بأنه ليس مقصودا به كذا وكذا حين ينبهه أحد بدلا من التراجع
عن الخطأ يبرره ويمضي فيه قدما ولا ينظر هل النية والقصد تبرر أي شيء وكل شيء؟
حتى بعد التنبيه عليه؟ راجعوا المراجع التي تقرؤون فيها وانظروا أمثلة على ذلك هذا إن كان هناك ثمة تقدير للنظر في هذا ولليس نفضا لليد من كل شيء وعصبية واحتقانا وفقط وهذا يكشف عن منهج التصرف في كل مشكلاتنا
اللهم اهد الجميع وبصرهم، وارزقهم العقل والحلم- إنا لله وإنا إليه راجعون- اللهم صبر المكلومين، اللهم فرج كرب المكروبين، والمصابين والمظلومين والمظلومات جميعا منذ بداية الأزمات

الأربعاء، 29 ديسمبر 2010

مراسلات في الحداثة "الجزء الثاني"

مراسلات في الحداثة "الجزء الثاني"

د. إسلام صبحي المازني

(وإنه بسم الله الرحمن الرحيم)

في الأدب وفي كل شيء سنبدأ باسم الله الرحمن الرحيم، هكذا الحق، وهكذا علمنا الحق، ولن تكون تبركا فقط، بل دلالة وعلامة وعالما

الحمد لله شكرا

والصلاة والسلام على المبعوث رحمة ونورا

لا ينفع الأسفُ النفوسَ أو الأسى .. الكفّ أولى والتصبر أحسن

مما يؤسف وأنا أكتب الجزء الثاني، أن أتذكر شخصية عربية كبيرة ممتلئة رصينة، لم تقف وقفتها الأخيرة المرجوة، قبل أن تذهب إلى حيث لا يعود أحد ليعيد ما كان، إلى الدار الآخرة..

وقد خطا خطوات جليلة، ولم يصرح للعامة بما وصل إليه بشكل حاسم مبين

وإِذ كانَ في ما ينتَوي مترددا ... نَضا سَيفَهُ من غِمده وهوَ لا يَدري

ويؤسفني كذلك أننا كنا نعيب على بعض قومنا تفكيرهم بعواطفهم، واليوم نضطر -بعد أن حجزنا الحياء دهرا- من توبيخ بعضهم على التفكير بغرائزهم..

فتألفت من بين شهوتها وشبـ.. ـهتها قياسات من البطلان!

وأنا أرفع صوتي محبة وأملا، كأخ وأب وصديق حميم، يريد انتشال صاحب عمره من محنته الفكرية، أو بشكل أدق "من خياره الحياتي وممارسته الربحية"، فيهزه هزا، ويصرخ في وجهه، وهو يعلم أن هذا لن يغضبه، فالثقة والتاريخ بيننا يمنعان الشك في مقصد أي منا...

وأنا أفرق جيدا بين النبلاء الممتحنين، وبين بعض من يحبون التجديد، وإن كانوا لا يفهمون تبعات الحداثة، ويبقى من يقرأ ساخطا حانقا-حتى قبل أن يقرأ هو عاتب- ليخط جوابا ودحضا، ويبقى الأمل في أن يوقف هو العجلة قليلا.. قبل أن تقف به طويلا...

فيوم بَينِكَ يَومٌ ... يَكون فيه وَفاتي

وحين نرى حداثة القوم هي كلماتهم للكون وحركاتهم فيه، لأنها التي تبنى عليهم انفعالاتهم- وليست فراغا عدميا في عالم الشعور، ومن ثم تبني عليها سلوكياتهم!، وسلوكيات من تأثر بهم، فضلا عن مآلاتهم جميعا عندما تنتهي الرحلة..

"ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين"

ولأن الأدب له أثر في الواقع بالنفع أو الضرر كذلك

فلكل هذا قلنا إن الكلام عليه حساب، فقال قائلهم: من يحاسب؟

قلنا لو قلته خاليا منفردا ما سألناك..أما وقد تعرضت لنا، ولكل شيء في حياتنا باللسان، الذي هو أشد أثرا ماديا ومعنويا من الرصاص، فهل نعاملك كالمجنون الذي يهذي؟ وقد تكلمت في الأعراض والملل والأخلاق والعلاقات واللغة والثقافة..

فلو كان هذا الكلام بلا حساب، فكيف يكون الحساب؟

وإذا أخذنا موقفا قلتم قضاة تحاكمون!.. وهل يلزم المرء أن يكون صنما أو أصما لكي ترضوا عنه!

ومن ثم يترككم تعبثون بدينه وثقافته وحضارته، وتذيبون أمته ومستقبلها..

فرق كبير بين الحكم القضائي والإيجابية، ثم إن الفواحش الفكرية لا تحتاج إلى قاض، ولغتنا لا تحتاج بيننا إلى ترجمان..

وإذا أنتم أخذتم مربضا كالدواب قلتم: أصحاب مبدأ.."فما لكم كيف تحكمون.."

والحداثة هي خطاب المرء للكون مفتتا.. مهما أسموه

وإذا استدبر الكائن كل القيم، ونتف ريش العصفور الجميل، أو ذبحه وقال: هكذا أجمل

فكيف يكون الحال.. وكيف يكون الحساب مع الشذوذ الذوقي واللغوي والعقدي

ولئن ثار الغرب على أسباب تخلفه، وقلب كل شيء، ونفض كل شيء

فلماذا لا نقلده في الفكرة والمبدأ، بدلا من تقليده في الصورة بغباء؟

تَرَكتُمونا لِأَقوامٍ تُخالِفُنا .. في الدينِ وَالفَضلِ وَالأَخلاقِ وَالأَدَبِ!

نعم

لماذا لا ننفض أسباب تدهورنا، ومنها فهمنا المتآكل للدين ورسالته، وحجمه في قلوبنا وحياتنا

فديننا ولغتنا كانا أسباب نهضتنا، وقدنا العالم لما قادنا الهدى، وهوينا لما لم ندر عنهما شيئا..إلا بعض أمور.. والحداثة خنجر من الخناجر التي وجهت لصدر اللغة بلا شك.

أرى الكنانة تبكي عهد عزتها... والنيل في شجوه كالعاشق العاني

وهذه اللغة الفصحى تئن فمن .. يحنو عليها ويأسو جرحها القاني

في روضة الخلد سقياها ومنبتها .. وفي سماء المعالي فرعها الداني

ثمارها من معاني الفكر تقطفها .. يد الخيال وتهديها إلى الجاني

ودينهم وأساطيرهم عن الغيب كانا أسباب عصور ظلامهم، وتقدموا لما نقضوا تسلط كهنتهم، ومحاكمتهم للعلماء والفلكيين، وتحالفهم الدنس مع السلطة.. ولكن امتدت الثورة الغاضبة لتنزع حتى البقايا الجميلة، لأنها كرهت كل قديم وهنا كانت المراهقة الفكرية، وقادها فلاسفة الرعونة العلمانية، لتحدث انقلابا على الأخلاق لصالح المادة والمنفعة، وخلعا للثياب وفوضى جنسية، وحرية "حرية رد فعل" باتت همجية، وتعقب تلفا للعالم وللأجيال القادمة..

لا تَذكُروا الأَخلاقَ بَعدَ حِيادِكُم.. فَمُصابُكُم وَمُصابُنا سِيّانِ

حارَبتُمُ أَخلاقَكُم لِتُحارِبوا .. أَخلاقَنا فَتَأَلَّمَ الشَعبانِ

وكل هذا مرتبط بحداثة الأدب واللغة، ونزع الجذور بدلا من تنقيتها من الأعشاب والحشائش الضارة والشوك..وبدلا من رعاية البذور وتكبيرها واحتضانها، وتطوير ما سبق الوصول إليه.. هدمنا كل شيء، وليتنا بنينا بعده شيئا.. بل تأملنا كومة الأنقاض بإعجاب مفتعل تقليدا للغرب، وتفننا في تشكيل أكوام يومية من الركام الشعري والنثري، ولا تبقي على هذا الأيام .. والواقع يشهد أنه لا خلود لأدب كهذا مختل طائش الكلمات

ويبقى الجمال جميلا والزبد زائلا

في الأرض يمكث من ينفعْ ويُثبِتُه .. رب السموات مثلَ الشامخ الراسي

وهاهم بعض منظريهم يعودون، بعدما رأوا ما جرى..

وهذه الحداثة رغم ظهور خفتها مقارنة بثراء الأدب ..أي أدب.. وصل إليه البشر بالإلهام وإعمال العقول للإتقان، إلا أن سهولة امتطائها تغلب كثيرين، ولا يعلمون أنهم سيعرفون بعد حين أنهم امتطوا حمارا لا فرسا، وأن التاريخ لن يثبت لهم نقشا، لأنهم لم يتعبوا، والإعلام يصنع الفقاعات ولا يصنع التاريخ

والواقع يشهد أن هناك نصوصا مشعة، ونصوصا خاملة، فهناك قصائد تضيء بذاتها

ولا تحتاج مؤثرات صوتية، ومجسمات وتضخيما أثناء الإلقاء، وإبهارا لتؤثر وتنال الإعجاب

كما نرى في نصوص مدارس الأدب الحداثي-زعموا-العاري عن التطريز الإنساني الراقي، بالوزن الذي نبغ فيه العرب، وبينه الخليل، حيث يظهر العاجزون عن قرض الشعر الحقيقي في المحافل بكم من الموسيقى والصدى، وأمورا كثيرة لترفع من شأن الأحرف..

ودوما هناك جواهر زائفة، وجواهر حرة أصلية..

والقصائد الحقيقية يترنم بها البشر جميعا، والبيت منها يطير في السماء، ويردده المثقفون والعوام

ولو بعد مائة عام..

وبنيان القصائد الحداثية يحكي الرمزية الغالية، فهو غموض يغطي مغالطات، كما هي القصائد التي صاغها الزنادقة عبر التاريخ الأدبي، لكي لا تؤخذ عليهم كلمة ذات معنى واحد، أو واضح..! تشابهت الأقلام

وءاخر ما لاحظته بشأن الحداثة

هو ميل عدد من مفكري إحدى الحكومات لنقد الفكرة العشوائية الحداثية، في الجريدة الرسمية، ولا أدري هل هذا ذرا للرماد في العقول، أم مراجعة، فقد مررنا بفترة قال فيها من قال: نأخذ من الغرب كل شيء حتى الأمراض لنكون مثله "في الثورة الصناعية و غيرها.."

ورأيت بعد نصف قرن أننا أخذنا الأمراض فقط وتركنا كل شيء..

ومما رأيت من بعض كتابهم مؤخرا ما خلاصته :أن الحداثة في الفنون تمحو الهوية وتزيلها، وفي الموسيقى كأنما وزعت على مائة مجنون ءالات موسيقية، وتركتهم يعزفون وسجلت ذلك وقلت هذه سيمفونية "حداثية"..

ورأيت مفكرين يقولون -أخيرا- أن الحداثة مرتبطة بالزائل العابر وحضارة اللذة الوقتية، وأزيد والفردية..

بل رأيت المفكرين من أهل الكتاب - نصارى- يعيبون الحداثة، ومضمون كلامهم أعبر عنه كما فهمته: هي اسم جميل لحالة تعفن..

وهذا ما أعجب منه حقيقة، وأسر به على أية حال، وأيا كان المبرر..

ونقف هنا وقفة لابد منها قبل أن نتلقى الرد النمطي:

الإسلام ليس "فكرة" أو "فكرا"، وليس "أيديولوجيا" أو فلسفة، إلا في نظر من لا يفهمون كيف يقدم هو نفسه، ولا كيف عاشه أهله الأول، ولا أظن عدم الفهم هنا قصورا عقليا محضا، بل قلة رغبة أو عدم اكتراث، لا تنظروا للعالم كما ينظر إليكم، ولا كما يصفكم، ولا كما يريد أن تكون الصورة، ارجعوا للوراء قليلا

أو تقدموا للأمام وانظروا... ولا تخافوا؟ كيف ترون الصورة قبل عدة قرون؟ وكيف هي بعد عدة قرون؟

كيف هي عموما؟

أريدكم فقط أن تخرجوا من إطار اللحظة وضغطها عليكم زمانا ومكانا وإنسانا و...

منذ متى ونحن نقلد كل مؤلف؟

هل هناك حقائق مادية تشهد لرسالة سماوية؟

إذا ترددنا هنا فلتكن هذه أول منازل الطريق بيننا، وأول محطة في الرحلة

أسافِر عن علم اليقين لِعَيْنه.. إلى حقّه حيث الحقيقةُ رِحْلتي

فالثوابت في "الأدلة المادية" و"العلم والإيمان"، أسبق كركيزة بلا شك، قبل مناقشة فلاسفة الحداثة، لأننا سنبني على منهج استدلال مشترك، وإلا لذهبنا نقدر بغير الوحدة القياسية العيارية، فيصبح هناك كيلو متر مصري وءاخر هندي وثالث يوناني.. فكيف نتعجب من اختلافنا في النتيجة!

وصدق مقدمات في قياس .. لنا منه نتيجة ريِّ ظامي

فأسفر عن مَحيّا الحق حتى .. نشاهده وَنشهد بالتزام

وليس الحديث عن التوحيد ببعيد عن الحداثة، أو عن المرجعية، فحين يتصرف بعض الحداثيين بطريقة لا دين لها، ويصبح هذا أشهر ممارساتهم "العبث بالرموز الدينية"

فنذكر عقلاءنا بأن الإلحاد قد يكون بإنكار سلطان الله، وليس إنكار ذاته تعالى، وبقلة

التوقير" ما لكم لا ترجون لله وقارا"

"وما قدروا الله حق قدره"، أو بسحب المعنى من النصوص ومن الكتاب العزيز!" مع ادعاء بقاء التقديس وصيانة الدين!"، والنتيجة لكل هذه الفعال

جحدوا الإله ولست أدر... ي كيف رب الناس يجحد

هب أنهم ما أدركوا ... خلق الملائك والمجرد

أو ليس في خلق الكوا... كب ءاية للّه تعهد

أترى تقوم بناية ... من غير بان أو مشيد

عميت عيون لا ترى .. ءايات بارئها الممجد

ومن وهب الحياة والروح للمادة، فصارت لها ذات فاعلة وشعور وعاطفة؟ وأقام بإتقان خبير علاقات كل الجزئيات داخل الذرة، ومن أوجدها أصلا؟ ومن نسق بين وظائف العضيات في جزيئات الخلايا، لتدير نسبا دقيقة ومجهرية" تقاس بالنانو" لا تختل كالهرمونات والصوديوم، ومن أرسل الرسل وأنزل الكتب؟

يرسِل اللَه بِهِ الرسلَ عَلى .. فَترات مِن ظُهورٍ وَخَفاء

كلما أَدّى رَسولٌ وَمَضى .. جاءَ مَن يوفي الرِسالاتِ الأَداء

هل من كرم الإنسان وعلمه البيان يرضى لكم اتباع الملحدين نابذي عبادة الواحد الديان، في الشكل

وهدم لغة القرءان؟ وتخريب العقائد وتجريد النصوص من المضمون.. والعبث بدلالات الكلمات، بل وبالمقدسات والمحرمات؟

... هكذا هو، وهكذا نراه، الإسلام حقيقة، والتفكير من خلال الحقيقة ليس عيبا، والتجرد من الحقيقة المطلقة- وهي موجودة إلا عند مكابر- ليس مزية ولا منقبة ولا سموا، ولا هو صواب، فأنت تتجاهل: أنت رجل أم امرأة، أنت إنسان أم دابة.. وتبدأ تشك في كل شيء!

وعند هذا المستوى لا يقف أهل نظرية الشك ولا التجرد، بل يسيرون على أربع " من سار منهم" أو يرجع العقلاء ..

"الأحياء: العقلاء، والأموات: الجهال، قاله ابن قتيبة، ونعوذ بالله من موت الضمير كذلك"

أما من غضب على الحداثة، وغار عليها من كثيرين يفككون تركيبها لتظهر، فلماذا لا يغار كل على محبوبه؟

لكن.. لو بانت لك خيانتها " لا زالت الخيانة سيئة حتى بين الخونة بعضهم بعضا في الأفلام الغربية، ولم تأكلها الحداثة النسبية، والأخلاق المتطورة"؟

ولو بان لك أنها ليست هي التي وصفت لك نفسها؟ فماذا بقي لك منها لتعشقها؟ الجمال الوقتي؟ اللذة الطائرة؟ إذا فقد اقتربنا.

صن نفسك عن التلصص على عورات الجيران وتمتع بالجمال "بفرض أنه كلام ماتع وهو ليس كذلك"!

إذا ليس كل جمال يحمد السبح فيه! حتى عند بني صهيون

حل وسط؟

بين صواب وخطأ؟

ألا زلت تؤمن بالله؟ فكيف تجيب عن هذا الحل الوسط يوم العرض؟

وقفة:

إن هذه النظرة التي تسبح في التحليل النفسي " وليس طبقا لنظرية التحليل التي هي مرض أصلا "

نابعة من ميلنا لذلك دوما في كل نقاشنا، فنستنطق الجذور النفسية، وليس فقط الجذور العقلية والأدلة، ثم إن القرءان الكريم لفت النظر لذلك دوما، فبين أسباب ومنطلقات الرفض النفسية، وجذورها من شهوات وكبر وعتو وغير ذلك، وهذا الخطاب لأساتذة كبار أرجو أن يصيب بقعة الضوء في قلوبهم، وقد انتقل من المراسلات الخاصة إلى العامة حرصا على عدم اختزاله وإسقاطه على أي نفس، وعلى نشر الخير.. والنصح إن قسا أحيانا فهو دواء، وإن حلا فهو غذاء، وفي الحالين لا يرفضه حكيم حليم..

والأن:

هل تعتبر الحداثة الأدبية الكتابية مرحلة نثرية أو شعرية، كما يتمنون أن تكون "أو حتى أن تسمى، أو أن نقر لهم بذلك"؟

الجواب استفهامي كالسؤال:

وهل الإصابة بالخرف -"ألزهايمر" وليس الزهايمر كما يكتب -مرحلة في عمر كل إنسان؟ أم إنها إصابة ومحنة مرضية عابرة، تحدث أحيانا لبعض الناس، أي أنها ليست مرحلة تطورية حتمية في تاريخ الفنون البشرية، تماما كوقوع بعض الناس في الحفر الفكرية

ولن أخوض في كونها منظومة كاملة عن الكون والوجود، تشبه العقيدة الدهرية، أو ما هو أسوأ..

ومعلوم أن تصورك عن شيء:

عبادة البقرة.. مثلا!

أو الإلحاد والمشاعية.. مثلا!

أو عبادة الجنس أو المال أو الشهرة أو حب التعالم .." مثلا مثلا"

مع استحضار مفهوم العبادة، وأنه ليس السجود بالبدن فقط..

سينتج عنه تغير في فنونك المسموعة والمكتوبة، وفي لهوك وهواياتك بلا شك، فلن تسمعني الموشحات! فأنت نهم متلهف على اللذة، فمعاني الموشحات لا تناسب رغبتك، وإيقاعها لا يجاري رعونتك وسرعتك.. وطيشك، أنت تريد السرعة والخطف -ثقافة التيك أواي- والْعبَ، ولا تريد أن تقف، أو تتذكر أن ما تأخذه ليس لك، وأنك ستسأل، ولا حتى التذكير بأن لك روحا، وأن للروح خلاقا عليما.

وَبرهن عَن وَجود الله حَقاً... بِلا بدءٍ وَلا حدِّ الختامِ

ويهديها صراطاً مستقيماً .. يبلغها إلى دارِ السلام

عَرفنا أنَّ وحيَ اللَهِ يُوحي .. لِمَن شاءَ الإلهُ بلا اكتتامِ

وهل تناسي عالم الروح ينفي وجوده؟ وهل توضع رؤية للحياة متجاهلة أحد مكوناتها؟

سر الوجود وقدرة الكونِ التي .. شملت وأذنَ غَيثها بِثراء

هل تناسي عالم الذوق والأخلاق يلغيه؟ أم يحدث فجوة بقدر قيمته؟

هل كون بعض العادات نسبية ينسحب ويطرد ليؤصل قاعدة أن الأخلاق نسبية!

هل اختلاف بعض الناس حول بعض نصوص الدين مسوغ لمحوه من حياتنا، وقصره على خلواتنا؟

فلماذا لا نلغي صفة كل شيء، لأن بعض الأجزاء ملتبس أمرها.. أستغفر الله، أيكون النور كالظلماء؟ والأموات كالأحياء، والنار كالماء؟ كل هذا من أجل لقيمات...

كل شيء أيها الحبيب متصل ببعضه، والسياسة متصلة بالكتابة، ملتصقة بالعلم وبالمجتمع، وبمعرفة الصديق المشفق من المتملق، وبكون الكون كما هو.. " لا كما نتصور ولا كما نريد " فحين تحدث مغالطة فكرية، فتردداتها ستحدث تبعات في عالم الإنسان كله، وحين يتم طمس الدين في منظومة فكرية مثلا، لصالح جزء من علم يتقلب ولم يستقر، ويقلب نظرياته رأسا على عقب كلما اكتشف نجما أكبر مما تسمح به القوانين للحد الأقصى للحجم عنده، أو بكتريا تعيش على الزرنيخ، أو حمضها النووي مختلف عن نموذج واطسون، أو غير ذلك كثير.. أقول حين يطمس الدين القويم- أو أي دين- في ركن من العقل والرؤية، سيؤثر هذا على نتاج هذا العقل في الكتابة والمسرح بل وفي الحياكة... ولن يؤثر على حقيقة الكون ونتائج العبث، وسترى النتيجة في عالم الإنسان والنبات كذلك.. فستتغير سلوكيات الناس كرد فعل على هذه الخواطر التي صيرتموها ناموسا للكون، وسنرى ما نرى الأن...

وأوضح: الثوابت البدهية لا تتغير... ومن الممكن تلفيق القوانين وتصديقها لقرون، وراجع تصورات البشر عن أمور كثيرة..

وهذا خلاف المسلمات البدهية "بحق وليس ما حشر حشرا فيها"، والأخلاق "تحرز كسابقه مع ربطها بتعليم الله تعالى لنا"، فلا تتلون، ولا تتقلب... والفطرة كذلك لا تكذب.. وإلا فعد لتقبض على الماء.. وتحيا في علم الكلام والأوهام والجدليات.. وقد تعب هؤلاء كثيرا، وعادوا قبل الرحيل منهكين مقرين بالصواب..

والمثال لبيان الربط والترابط:

خرجت الموسيقى الصاخبة، حين كسرت الضوابط الاجتماعية وليس الفنية.

وكان هذا نتيجة ثقل الضوابط عليهم، فقد أتعبهم القائمون عليها، وزادوا من فتنتهم، وأعانوا الشيطان عليهم، فكرهوهم في الكنيسة والدين كله، فصار مشقة مفتعلة، وكبتا وحرمانا، ولم تفتح أبواب النور العقدية -النظرية والعملية- والنظم المتكاملة لترضي الأنفس وتعوض القلوب، " فالدين ليس قائمة ممنوعات فقط، بل لديه عطاء كبير ليعين على المهمة"، وأكمل إبليس المهمة..:

بدأت الأغنية الكلاسيكية! تهتز المطربة وهي بثوبها! وتلمح

يوحونَ بالخُطَبِ الطوَال وتَارَة ... وحْي المُلاَحِظ خيفة الرّقباء!

ثم خرجت الأغنية الشبابية

ثم الأغنية الراقصة

ثم الأغنية الجنسية

ثم أغنية الشذوذ وفعل قوم لوط

ثم

وألحوا في تسميتها فنا

وفي إدخال عالم الخمارات والبارات والعاهرات والزنا

كمشهد ثابت فيها

وأجبر الحداثيون على القبول بكونهم زملاء فن لهؤلاء! فنحن فنانون وأنتم فنانون..

فالحداثة هنا هي خلع الثياب الشعرية، كما خلعت ثياب الراقصين والمغنين.. "وهذا ليس إبداعا، وليس جديدا! وليس تجديدا..

ولم يكن غائبا عن بال التقليديين كما تسمونهم، بل تركوه قرفا.."

وتوقفت الدنيا عند مشهد واحد لشكل واحد من العلاقات الإنسانية، وبطريقة واحدة، في كل أغنية

وهذا ليس منهجا جديدا

وليس مدرسة عموما، بل هو طريق المتسربين من الدراسة، والفاشلين الهاربين من المعاهد العلمية ومن العمل، والساقطين من المجتمع للتسول أو للسرقة، وللدعارة وتجارة المخدرات، وللتشرد الاختياري بتمزيق الملابس مثل مريض الفصام، عافانا الله وإياكم وهم كذلك، وهذا مبتلى وذاك متمارض..

ويظهر التركيز فقط على ترك الاحتشام في المعنى، وترك الأناقة في القول

ونبذ التناسق في الإيقاع

والهجوم على كل جميل متزن رائق واضح

لصالح السهولة والجهل " فيمكنك أن تحيك ثوبا بغرز منحنية معوجة، وبخطوط متعرجة، وبعض الغرز كبير والبقية صغيرة، كطفلة تتعلم الخياطة اليدوية، بل ولصالح النزق الفكري والشكلي، وإمكانية كون الجميع أهل شعر وكتابة ومحترفين

ما دامت لديهم مشاعر..عفوا ..غرائز

.. وتقول بعد كل هذا، هذا منهج جديد، هذا جميل.. ويصفق لك المدخنون

وحين يكون أحدهم ملما بشيء من الثقافة يغرق في الجدليات، كأنما هو أعمق مفكر، والإغراق هنا هو نفس إغراق الفلاسفة المشتتين، الذين جمعوا غرائب المفردات، وبعض التناقضات جنبا إلى جانب بعض الأسئلة وبعض الأحاجي البسيطة، لتثبت أنه لا شيء صحيح- والتي رد عليها العقلاء- والحكم الأولية لتوهم السامع أن القائل مفكر.. " هذه معالم خلطة الفكر، كما ورد في المقال الأول خلطة التعبير"

ويمكنك أن تسمع أفضل من كلامهم -على نهجهم- لدى من لم يتعلموا سوى حياة الكائنات الأولية غير العاقلة، مثل راقصات الموالد وهن يدافعن عن مهنتهن وتوابعها، أو يشرحن فلسفة الحياة.. فهناك مختصر القصة، مع فارق الموائد.

والتركيز هنا على مثل الراقصات لأن الزنادقة قديما قويت لغتهم، ورصعت حججهم!

والهرب غربا كان من اللمسة الكنسية في الترانيم، للضجر من كل ما هو منهم، وما هو وقور، هربا إلى

"البوب "، وهنا كان مللا من الروح الدينية، التي يشرق بها من لم يفهمها، ومن فتنه سلوك اللاعبين بالدين، ومن لم ينشرح صدره، إلى عالم سهل، اهتماماته يومية، وحاجاته لحظية، ويمكنك التربع على عرشه بسهولة، لأنه عرش على الأرض، وليس فوق جبل، فأنت ابن اللحظة، ولا تبصر غدا، ولا تستبصر نورا ولا مصيرا، ولا يرونك إلا جلدا ولحما وغددا، ومن ثم تلقى في القمامة حين يتغضن إهابك لصالح لاعبين جدد، وهو ما حدث لبعض الكبار، حيث قلقوا لأنهم لم يعودوا يأتون بجديد "ويتصلون بالجريدة: هل عقب القراء على فعلتي، عفوا قصيدتي"، ولأن الجيل الجديد فعل نفس فعلهم-السهل- فنافسهم، وهكذا.. ومع العمى عن النظر للأدلة الكونية حولهم، وهي تقضي بالحق، كان العمى عن إيجاد منهج سليم كبير، لذا ألقى الجديد بالقديم في سلة القمامة بسهولة، لأنه لا يشكل قيمة فنية خالدة، ولا حتى مادية، وقال: أنا أحدثت ما هو أحدث من هذا.. وهكذا .. بمنتهى السهولة تلد الحداثة من يقضي عليها وبنفس منطقها!

رأيت ءالة لهو يلعبون بها .. بميسر ذاك مغلوب وذا غلبا!

أليس التغيير هدفا في ذاته؟ وإن ذهب بنا إلى الجحيم؟

ومشهد تلاشي شعراء الحداثة -بريقا- من الجيل الأقدم شعريا يشبه أخاه في عالم "الفيديو كليب"

فأنت لست قيمة، بل لقمة.. وليس لذاتك بل للحمك، ولجدة شكلك، والمنافسون كثر.. ولحمك يجف وشكلك يمل..