الجمعة، 27 نوفمبر 2015

الابتلاء


ليس الابتلاء هو الفقر والألم الظاهر والشر فقط،
فالرخاء كذلك ابتلاء مِن الله للعباد وفتنة؛ ﴿ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ﴾ [الأنبياء: 35]

وليس هناك خال من الابتلاء في الحياة حقيقة ، والحياة ذاتها هي الاختبار للعاقل،

قال تعالى:
﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ ﴾؛ أي: طريقة الحق: ﴿ لأسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًاِ، لنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾: أي: لنَبتليَهم به.

والقول الثاني: ﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ ﴾: الضلالة، ﴿ لأسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا ﴾؛
أي: لأوسعنا عليهم الرزق استدراجًا؛

كما قال: ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ
حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾ [الأنعام: 44]،

وكقوله:
﴿ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ [المؤمنون: 55، 56]،
-------------
في أضواء البيان:
قوله تعالى : كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى .

ظاهر هذه الآية أن الاستغناء موجب للطغيان
عند الإنسان ، ولفظ الإنسان هنا عام ، ولكن وجدنا بعض الإنسان يستغنى ولا يطغى ،

فيكون هذا من العام المخصوص ، ومخصصه إما من نفس الآية أو من خارج عنها ، ففي نفس الآية ما يفيده قوله تعالى :

أن رآه ، أي : إن رأى الإنسان نفسه ، وقد يكون رأيا واهما ويكون الحقيقة خلاف ذلك ، ومع ذلك يطغى ،
فلا يكون الاستغناء هو سبب الطغيان .
..
..
ولذا جاء في السنة ذم العائل المتكبر ; لأنه مع فقره يرى نفسه استغنى ، فهو معني في نفسه لا بسبب غناه . ...

ومما في الآية من لطف التعبير قوله تعالى : أن رآه استغنى ، أي أن الطغيان الذي وقع فيه عن وهم ، تراءى له أنه استغنى سواء بماله أو بقوته ; لأن حقيقة المال ولو كان جبالا ، ليس له منه إلا ما أكل ولبس وأنفق .

وهل يستطيع أن يأكل لقمة واحدة إلا بنعمة العافية ، فإذا مرض فماذا ينفعه ماله ، وإذا أكلها وهل يستفيد منها إلا بنعمة من الله عليه .

ومن هذه الآية أخذ بعض الناس ، أن الغني الشاكر أعظم من الفقير الصابر ; لأن الغنى موجب للطغيان .

وقد قال بعض الناس : الصبر على العافية ، أشد من الصبر على الحاجة . " انتهى

قال صاحب الظلال:

وإن قيم هذه الأرض لمن الزهادة والرخص بحيث - لو شاء الله - لأغدقها إغداقاً على الكافرين به .
ذلك إلا أن تكون فتنة للناس , تصدهم عن الإيمان بالله:

قال تعالى:
"ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضة ومعارج عليها يظهرون ،
ولبيوتهم أبواباً وسرراً عليها يتكئون، وزخرفاً وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين . ."

فهكذا - لولا أن يفتتن الناس ، والله أعلم بضعفهم وتأثير عرض الدنيا في قلوبهم - لجعل لمن يكفر بالرحمن صاحب الرحمة الكبيرة
العميقة - بيوتاً سقفها من فضة , وسلالمها من ذهب ، بيوتاً ذات أبواب كثيرة، قصورا.. فيها سرر للاتكاء , وفيها زخرف للزينة
. . رمزاً لهوان هذه الفضة والذهب والزخرف والمتاع ; بحيث تبذل هكذا رخيصة لمن يكفر بالرحمن !

(وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا). .

متاع زائل , لا يتجاوز حدود هذه الدنيا . ومتاع زهيد يليق بالحياة الدنيا .

(والآخرة عند ربك للمتقين). .

----------

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق