بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأحد، 14 يناير 2018

هل طاعة الزوج مقدمة قبل طاعة ااوالدين

قالت لي
هل طاعة الزوج مقدمة على الأبوين دون قيد؟
وهل لزوجي منعي عن برهما ولا معيل لهما؟

قلت لها:  أعلم الأقوال التي يستدلون بها..

لكن ..أولا لا تشكي في دينك، فهو دين الحق والخير والرحمة ..لكن أساء له الجهال والحمقى والغلاة والمارقون..

ثانيا.. المرأة مخلوق مستقل كامل الأهلية والمسؤولية شرعا .. ويحق لها ترك زوجها بالخلع لو تيقنت من فساد دينه أو نفرت نفسها منه كليا بلا جدوى من تصبر ومداراة وتجمل، وهذا بعد استنفاذ الحيل والمراحل في الحفاظ على الرباط المقدس، احتراما لكلمة الله التي تعلو عقدهما، ولبنية المجتمع من الاهتزاز والخفة.

ثالثا.. سأضع نبذة عن مسألة منع الزوجة عن زيارة والديها، وكلام الفقهاء فيها..

هذا السؤال يشبه سؤال هل طاعة الأم مقدمة على طاعة الأب أم أن طاعة الأب أولا قبل الأم ..

.. فهو سؤال استثنائي غريب!  وهو سؤال تناقضي خاطئ، في أغلب وليس كل الحالات، هذا عند التحقيق والتدقيق..
إذ لا يفترض شرعا وواقعا وقدرا حدوث ذلك بشكل اعتيادي ونمطي.. ولا يفترض وجود جواب موحد نجيب به كل حالة وكل مرةّ لنفس الحالة!

وهذا موضوع لا يختصر، ولا يتم تجريده بشكل بارد وبشكل رياضي تلقائي، أو بشكل مطرد مستمر...

فلا يقال أطيعي هذا قبل ذاك وفقط..

•  لقد منح الشرع المرأة الكارهة لزوجها والنافرة منه حق طلب الاختلاع، مع تعويضه عن المهر، ذلك المال الذي بذله وكان بادرة لحياة مستقرة طويلة غير مؤقتة، فقد قال الله تعالى:
(فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) [البقرة:229].

وفي الحديث:

أن امرأة ثابت بن قيس جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، ما أنقم عليه من خلق ولا دين، إلا أني أكره الكفر في الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"أتردين عليه حديقته؟" فقالت: نعم، فردتها عليه، وأمره ففارقها.
وفي رواية، فقال له:
"اقبل الحديقة وطلقها تطليقه"
رواه البخاري رحمه الله تعالى.

يقول الإمام ابن قدامة:
إن المرأة إذا كرهت زوجها لخُلقه أو خَلقه أو دينه أو كبره أو ضعفه أو نحو ذلك، وخشيت ألا تؤدي حق الله في طاعته جاز لها أن تخالعه بعوض تفتدي به نفسها. المغني 7/51.

ويقول ابن كثير:
إذا تشاقق الزوجان، ولم تقم المرأة بحقوق الرجل، وأبغضته، ولم تقدر على معاشرته، فلها أن تفتدي منه بما أعطاها، ولا حرج عليها في بذلها له، ولا حرج عليه في قبول ذلك منها.
تفسير ابن كثير 1/272.

قال البهوتي في كشاف القناع 3/1206:
ويسن له إجابتها أي إجابة طلب زوجته المخالعة، لحديث امرأة ثابت بن قيس .

الزوجة مخلوق كامل الأهلية، مستقل، لكنه مطيع لوليه وأميره كأي مسلم، ودخوله بيت الزوجية إنما يكون باختياره ورضاه وإذنه، وبقاؤه في بيت الزوجية يكون باختياره

و… : نعم هي أحيانا أقل درجة من جهة ما، في بعض تكليفات وفي مواقف معينة يكلف بها الرجل وحده ويشرف بتحملها، وقد فضله الله بهذا، فلا تطلب منها هذه الواجبات ولا تنال رتبتها بذات الطريق، ولكن لها كذلك ما فضلت به برحمة الله وما اختصت به من فضله، وهذا لا ينسحب على كل الوجوه في ذات التكليف، ولا على كل التكليفات، وأحيانا لا تختلف درجتها عن درجة الرجل في المطالبة بالتكليف..

و: نعم للرجال عليهن درجة وقوامة، وكثر في الرجال الكمال والقوة، واختصوا بالرسالة والنبوة والقوامة، لكنهم ليسوا قومية منعزلة، ولا كيانا أو جنسا خاصا، ولا هم قاموا بحق هذه المواطن بعيدا عن أمهات وزوجات وأخوات وبنات ومؤمنات كن كالضياء في الظلمات والدفء في الحوالك والري عند الظمأ...
فلا معنى للتناطح..

ومقامات الآخرة حسب تقوى القلوب! والنساء شقائق الرجال..

والرجال مكلفون أكثر منهن بما فضلهم الله تعالى من أمور وطاقات بدنية وعقلية ونفسية وهذا كله في الأغلب الأعلم..
والأحكام تدور على الكثير الغالب وعلى الأعم..

بقية من أقوال أهل العلم:

وهنا تلاحظ أنها ليست مطلقة بهذه البساطة..بل مقيدة بركن وشرط في كون الزوج صاحب دين يجتهد في مراعاة الحق ويتقي الله! ومقيدة بتحري العلة والحقيقة...
فلو كانت الطاعة مطلقة مفتوحة ببساطة وصلابة ما قدروا أن يشترطوا من عندهم..

الإمام مالك رحمه الله - في "التاج والإكليل":
( .. سئل مالك عن الرجل يتهم ختنته بإفساد أهله ، فيريد أن يمنعها من الدخول عليها؟ فقال: ينظر في ذلك ، فإن كانت متهمة منعت بعض المنع ، لا كل ذلك ، وإن كانت غير متهمة لم تمنع الدخول على ابنتها).

ابن قدامة في "المغني":
( .. ولكن لا ينبغي للزوج منعها من عيادة والديها وزيارتهما ؛ لأن في ذلك قطيعة لهما وحملا لزوجته على مخالفته، وقد أمر الله بالمعاشرة بالمعروف، وليس هذا من المعاشرة) أهـ .

المرداوي في "الإنصاف":

( .. الصواب في ذلك : إن عرف بقرائن الحال أنه يحدث بزيارتهما أو أحدهما له ضرر فله المنع وإلا فلا ) أهـ.

شيخ الإسلام:

.. ( وإذا أراد الرجل أن ينتقل بها إلى مكان آخر مع قيامه بما يجب عليه وحفظ حدود الله فيها ونهاها أبوها عن طاعته في ذلك، فعليها أن تطيع زوجها دون أبويها؛ فإن الأبوين هما ظالمان، ليس لهما أن ينهيانها عن طاعة مثل هذا الزوج، وليس لها أن تطيع أمها فيما تأمرها به من الاختلاع منه أو مضاجرته حتى يطلقها، مثل أن تطالبه من النفقة والكسوة والصداق بما تطلبه ليطلقها، فلا يحل لها أن تطيع واحدًا من أبويها في طلاقه إذا كان متقيًا لله فيها‏ .‏..‏ ) أهـ .

فقد قيد طاعته بكونه مراعيا للشرع متقيا!

والحياة تبني على احترام الشرع وعلى المودة والمعروف والإحسان

فالأحكام مجملة للتذكير، ولا توجد تفاصيل للدقائق لأنها ينبغي أن تكون تلقائية!
وأن تُبنى على الرحمة والحكمة..

وقبل كل العلماء:

((إنما الطاعة بالمعروف))

((لا طاعة لمخلوق  في معصية للخالق))

.

وقد قال تعالى:
{وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} [النساء: 36]؛

(أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير) سورة لقمان .

(وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك
به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا) سورة لقمان

( وقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا
يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا
وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً)(الإسراء: الآية23).

فقرن بين الإحسان للوالدين والتوحيد!

فهل تجد نصوصا بهذه القوة والكثرة وصراحة الدلالة تنفي ذلك التكليف عن المرأة وتحيله للرجل فقط!

لو كان كذلك لما كانت هذه مسألة فقهية في كتب الفروع.

فلنفترض أن الزوج منع زوجته عن أهلها  منع تعنت وهوى،  وتم إمراره مرة عابرة لظرف استثنائي، للحفاظ على بيت قبل أن ينهدم، ورجاء أن يتوب هذا الزوج ويتعلم ويندم في هذه المهلة، ولم تكن المسألة في هذا الظرف فيها مفسدة كبيرة فهل نقول أن هذا هو المنهج وهو الأصل والأساس ..هل هذا هو الإسلام؟ أن يعبد المرء لغير الله ويقول أن فلانا سيحمل الوزر..وتكون النتيجة عقوقا مشروعا!..
وأن نطمس حق الزوجة لصالح عظم حق الزوج فيتحول حقه العظيم المعروف إلى استهانة بحقها باسم الدين

  

الأحكام لا تؤخذ من حوادث فردية أو من قضايا أعيان أو من فتاوى مذهبية دون النظر لحقيقة رأي المذهب في الصورة كلها،

الأحكام لا تؤخذ من علماء مذهب دون النظر لبقية ما يكمل الصورة المفترضة عندهم في المتن، زمانا ومكانا وشخوصا وموازنات وشروطا...

فإذا كان الزوج في بعض الحالات -بمعاييرهم هم أنفسهم- فاسقا بسبب صفات أخرى، ويستحق الجلد، ويستحق سقوط ولايته ورد شهادته في المحاكم،  وو ...فهل تم استحضار ذلك...

الفتيا أو الكلمة قد تكون أحكاما حقيقية لكنها أحكام مسببة أو معللة أو مقيدة بتوصيفات محيطة بهاـ ولها ذرائع محددة وحكمة معينة لا تطبق بدونها، وقد تكون مبنية على مقاصد شرعية معلنة تتغير بتغيرها وبتغير إمكانية حدوثها،

وربما تكون تفسيرات العلماء وتقديراتهم وأفهامهم ومواقفهم عبارة عن انعكاسات لأحوال لا يتخيلون تنزيل النص بدونها، فسبر المسائل يبين مناطها وشروطها وظروفها وسياقها..

ولا أحد يمكنه صياغة قول جامع مانع نهائي قطعي.. وحين نتدارس الأحكام في كتاب الله تعالى نجد أنه ليست كل الأحكام معروضة بهذا الشكل الذي يتخيله بعضهم ويسوقه للناس أنه القطعي الراجح والقول الواحد  ...بل فيه عام وخاص وعام مخصوص وفيه ما يستنبطه العالمون بتأويله دون غيرهم ممن يقفون عند الظاهر المتبادر .. وهذا ابتلاء الله لبني آدم لتمتحن القلوب في اجتهاد العقول وحرثها لأرض العلم.. وليسأل السائرون..

قبل أن تعرف المحرمات وموقف السلف من كذا وكذا..لابد أن تعرف الأصول والقواعد الكلية ..

هناك كليات وأسس فقهية تسبق الأدلة الفرعية،  وهناك أصول أقوى من ذلك الانتقاء للأدلة، وهذه الأصول الشرعية تؤخذ من استقراء شامل لجملة من النصوص والأدلة ومن تراكم الأفعال والعمل القديم ومن القطعيات المتواترة والبدهيات، ومن إقرار واضح وسمت وهدي عملي متقرر بشكل يقيني، ومن فهم متسق متكرر ..

النصوص عن آحاد العلماء لا تعني إجماعا
أو حقا مطلقا

والإجماع لا يعني الإطلاق الشامل دوما، فقد يكون مقيدا بإجماع آخر، وبشروط قدرة وبمقام معين كان متوفرا وكان معروفا عرفا من واقعهم، ولم يتصوروا أن ينسحب على بيئة أشبه بجاهلية جديدة، ولم يتصوروا أن يستحضره أحد في  ظروف مخالفة تختلف فيها المفاسد المترتبة ويختلف فيها الاحتمال المخوف ..

وكل نص أو إجماع يكون مرتبا طبقا لتعارض الواجبات لو تعارض معه غيره يقدم الأوجب..

ولربما يقال الكلام الفقهي بصيغة تعميم أي بشكل التغليب، كما في لغة القرآن ولغة العربـ، وهو عام لفظا، لكنه يختص بموقف معين وبسياق ورد فيه، وكل حالة لها ملابساتها....

وهذا كله مبسوط منثور في كتب الأصول والفقه وشروح الحديث بل والتراجم!

شتان بين موقف يراه الزوج تقديريا لسبب ما، ويكون فيه متشددا بشكل عابر أو أمامه مفسدة أو مصلحة.. وبين أن يحض زوج زوجته على العقوق أو المعصية بحق الوالدين وقهرهما وخذلانهما .. بشكل عام ..فهذا يخالف أصول الإسلام لا فروعه ويناقض وصاياه الكبرى الأولى مع التوحيد وليس بعده مباشرة.. وصاياه برعاية حق الوالدين وشعورهما..ولم يرد في النصوص الكبرى المتواترة بذات القطع والحسم تحول ذلك الحق العظيم لجناب الزوج بذات القدر والجزم ولم يرد في النص الصحيح الصريح أن البر واجب ذكوري فقط... إنما هو تحول جزئي، وإنما واجب يضاف فوق كاهل الزوج برعاية والدي زوجته، وليس غنيمة له أو حقا كان لهما على المرأة فاستلبه منهما كله وتركهما في العراء... وهي نصوص تتفاضل في القوة وأفهام وتقديرات وتوفيق وجمع بين الأدلة..

منع الزيارة للوالدين أو غيرها ذات مرة أو في فترة ما بشكل محدد، قد يكون من الخطأ لكنه قد لا يعتبر عقوقا فلا يستوجب خراب البيت بمخالفته، فقد نسكت ونمرره أملا في أن يفيء الزوج ويندم ويعود ...

وحين يكون للوالدين من يكفلهما من قريب أو بلد مسلم حقيقي فيختلف الحال عن كونهما وحيدين فسيقع ساعتها عليهما ضرر مباشر معلوم ..

والمرأة لا تستسهل تفسخ الأسرة، لمخالفة ما قد تكون مغمورة في بحر مقبول من الرعاية والتراحم والتذمم والأخلاق ..

والأمور لا تؤخذ جملة بل من الممكن الفحص والبحث والتيقن من عدم تكرار الموقف..

أما قبول الخطأ مرة للمدارة فنعم، وأما قبول عيب ما فنعم..وأما غير ذلك من قبول انحراف أو قطيعة أو حدث  فهذا إذا زوج أشبه بالمنافقين الخبيثين...

أحيانا يكون سبب منع الزوج لزوجته من زيارة أهلها مقبولا من وجه من الوجوه حين يظن أنهم يجعلونها تغضب ويخببونها عليه ويخربون بيته ولكن ليست هذه قاعدة!
والعقوق من أكبر الكبائر بعد الشرك، فلو كان منعه لها واصلا لذلك فيستحيل قبوله من أي قاض مسلم.

ولا ينبغي ذكر تقديم حق الزوج دون ذكر ضوابط ذلك الحق، وضوابط تقديم حقه، فلا تكون في حق الزوج معارضة لحق الله تعالى أو طعنا في المعروف ممن لا خلاق لهم

وقد اختلف ابن حزم رحمه الله مع شيخ الإسلام في إطلاق القول بتقدم حق الزوج قبل حق الوالدين

وما يجعل المسألة تحتاج موازنات هو حساسيتها ووجوب النظر للنصوص في ضوء رعاية القواعد العامة من حيث تعارض المصالح والمفاسد، ورفع الحرج؛ كقوله تعالى: "ما جعل عليكم في الدين من حرج" وقوله تعالى:  "لا يكلف الله نفساً إلا وسعها"
فكيف يشق المرء على زوجته وكيف يمكن اعتبار كل الناس سواء في تحمل المشقة في حين أن الشرع اعتبر اختلاف قدراتهم وطاقاتهم في كل أبواب الاضطرار والإكراه..

وقد تكلم الشافعي رحمه الله في المشقة المعنوية للشرفاء الذين تربوا على أوضاع معينة تأنف من المعاملة بشكل سوقي مما يجعلهم يستبشعونها ويوشك أن تزهق نفوسهم ألما ويصابوا بالسكتة..فالصفعة للغني الشريف غير الصفعة للفقير "كإكراه وليس كقصاص"..فالمشقة معتبرة سواء كانت المشقة نفسية أو بدنية.

نعم هناك قيم تحكم المواقف منها الصبر والتغاضي والتغافل وكف الأذى ومصلحة جمع شمل الأسر، والشرع يتعامل مع الواقع ويعتبر هذه من الابتلاءات وعموم البلوى ويمتحن الناس بالتعامل معها لقياس خير الخيرين وشر الشرين
قال تعالى
"ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة"

وإذا أخل الزوج بالحفظ الديني والدنيوي المستطاع لزوجته وبالرعاية والنفقة فقد بدأ ميزان أهليته يختل لو كان عامدا..

فالطاعة مقيدة بما ليس فيه معصية أو حرج وما ليس فيه مخالفةٍ لشرط الزوجة على زوجها أو مخالفة للمعروف عرفا! فهو كالمشروط شرطا.. وأي حرج أشد من هذا لو صار عرفا ودون مسوغ!  

هذا ما تيسر جوابه متفرقا ثم جمعه فطال للئسف وتكرر،

والله أعلم وصلى الله على خاتم الأنبياء والمرسلين وسلم..

السبت، 13 يناير 2018

طب القلوب..

مسافات القلوب تقطع بالتحمل والتصبر، وبمعاناة النفس..وتطوى بالسكون رغم الحركة!  وبالتهذيب والأدب رغم الضغوط..  ورغم المغريات وسهولة الخطأ وتفشيه.. ورغم تفشي  أغلاط الخواص في النوايا والسلوك… ..وترجى المنازل العالية بطلب ما عند الله من رضوان نفسه العلية لا الجنة فقط..  ولعل هذا محل تنزل السكينة وصلاح البال والنور وحياة الروح!  وروح الحياة".. "أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا"……. .."وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا… "

الخميس، 11 يناير 2018

ثم آمنت بالنبي صلى الله عليه وسلم مرة أخرى..معارج التوبة الفكرية ..

قال خذ عني وصية مودع ونصيحة مجرب ...اعتصم بركن الحق؛ كتاب الله تعالى، هو سلواك ونجواك وهجيراك، تتدبره وتتلوه.
وتواضع في فهمك وفي تقديرك لنفسك... واهتم بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم.. هذا العلم المظلوم..

لقد آمنت بالنبي صلى الله عليه وسلم عن حب وتقدير واحترام ومعرفة واطلاع في بداية عمري، ثم تعمقت وتوسعت فآمنت به مرة أخرى! مرة أكبر وأجمل..  ثم آمنت به مرة أخرى! أقرب وأغرب..

  وعلمت أنه لا منتهي لليقين إلا عند مقام الصديقين وأنى هذا إلا بنور الله ومدده لمن يشاء من الصابرين…

لقد عشت محاولا أن أقتدي في شعوري وتفكيري وخطراتي بالأسوة الحسنة، فآمنت أكثر أن هذا الكتاب وحي عظيم معجز، وأن هذا النبي سراج منير!  صلى الله عليه وسلم…

‎ قال وماذا بعد؟ قال لا يوجد بعد! لكنك لن تقف عند حد..  فضل الله أوسع من خطرات قلبك، ولا يوجد منتهى! لا تشبعن من خير،  ستبقى بين الكاف والنون، تمضي بك الأقدار بكن فتكون، بعجرك وبجرك وبشريتك الطامحة المؤمنة العاملة!  بشريتك خالصة من سفل الطين وعبث الشياطين قدر صلاتها الدائمة

" ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين ءامنوا وعملوا الصالحات"..
"إلا الذين ءامنوا.. "
"إلا المصلين…"…

‎حاشاه سبحانه أن يخذلك
كن ربانيا يكونك كذلك!
"ومَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخرة نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِى الشاكرين"…
"مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نـزدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ"… "كونوا ربانيين"
ستعيش ميسرا لما خلقت له، وستمر بما كتب لك،
مطالبا بما كتب عليك!

ولو كنت في بيتك سالما وجاء أجلك من حيث لا تحتسب ومن حيث تتحاشي وتجتنب فلن يتأخر ولن يتزحزح ولن يتغير..  ستبرز إلى مضجعك لتسلم الروح لبارئها..

وأما وأنت هنا، ستأخذ ما أنت فيه من علم معك ولن تتركه لما بعد..

‎ ستتضخم الاختبارات وتتكرر المعارج…
‎أوصيك بالسيرة لتري ذلك الابتلاء ولتتفهم مساحة العفو والترخص بالمباح والتمتع بالطيبات دون إفراط أو تفريط، ولترى مقام الصبر والرضا والشكر، وتدرك الرفعة والواقعية والزهد الحقيقي والمجاهدة العالية مع التبسم والصلابة واللطف والحزم…

حقا  لم أر مثل النبي صلى الله عليه وسلم، ولا نموذجا شبيها
وجدت شبيها بالصحابة لا مثيلا!   شبيها مصغرا.. أما هو -صلى الله عليه وسلم -بجماله وشموله وتوازنه فلا..

الاثنين، 8 يناير 2018

الابتلاء في هذه الدنيا يكون تحت الضغط والألم أو الإغراء أو مر السنين


علم العقلاء أن الابتلاء في هذه الدنيا إنما هو باختيار الطريق إخلاصا ومتابعة صحيحة، وبإحسان العمل وصلاحه همة وإرادة.. والنتائج بعد ذلك موكولة للخلاق العليم

وهذا الاختبار لا يكون في ظروف مثالية...ففي الظروف المثالية قد ينجح المنافقون ولا يتمايز الصديقون والأبرار والسابقون بدرجاتهم عن المقتصدين وظالمي أنفسهم...

في الظروف المثالية لا يمكن امتحان النفس حقا..بل امتحانها أمام نفسها! يكون تحت الضغط والألم أو الإغراء أو مر السنين.. فيظهر الشح..أو يظهر النبل واليقين...

 يتظاهر الجميع ويسهل على الجميع التشبع بالألم والتمني بالأحلام في المواقف التي تستدعي إيجابية وبذلا معنويا وداخل النفس أولا قبل أن يكون عمليا..

والامتحان يبدأ بالحفاظ على التوحيد نبذا للطغيان المادي والمعنوي بألوانهما وأيا كان مجالهما ومكانهما! في كل الدوائر الصغيرة والكبيرة حول المؤمن، وبإقامة الدين ثم الذل والرحمة مع الوالدين!
وذي القربى واليتامي والمساكين وسائر المكارم

وإذا أمسكنا العصا من المنتصف فلن يكون هناك حق!
قد نبني بناء ما لكن ليس هذا إصلاحنا الرباني المنشود، الذي لأجله قد تلقي الأمة بنفسها مع وليدها في النار..ولا تتحرى الحلول الوسط!

 هذا السبيل هو عمل دائم دائب لا يتوقف كسعي النحلة للعسل،ومعه تعبد مستمر كتسبيح الطير، وبينهما ترويح وتمتع بالمباح كهبة ربانية لا ترد.. 
هذا كله مع الالتزام بالوسائل المشروعة والضوابط الربانية في هذا النهج... 
وروح الفقه وجوهر الفهم أن الحق أغلى من النفس والنفس أغلى من المال الذي يكنز... 
وإزاء الفواجع لا يشغلني فقط العجز المادي، بل أسبابه كذلك!

قال لي صديقي: بعض القوم ممن يبخلون بأرواحهم من أصحابنا الذين لهم كلمة مسموعة نوعا ما كان عليهم واجب علمي بأن يصدعوا بكلمة واجبة ولا عليهم أن يموتوا بعدها، وأن يعلنوا صحة شيء أو بطلان شيء آخر..

 لأن هناك فارقا بين التيسير وبين اللعب بالدين "وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا" 

وَالعِلمُ إِن لَم تَكتَنِفهُ شَمائِلٌ ** تُعليهِ كانَ مَطِيَّةَ الإِخفاقِ 

وإذا بهم يضنون بكل هذا وينكفئون إيثارا للسلامة أو لبعض السلامة ومنا بما بذلوا..وأكمل كلامه: بعض الفئات ممن أعلم ويتابعون لديهم عجز علمي وعجز عقلي... قلت بل هو عجز نفسي وليس فقهيا، هو تول.. "وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم"..

  في هذا البرد القارس تذكرت صحابيا لم يكن له برد!، وهو سيدي ابن أبي حدرد، كان خارجا مع النبي صلى الله عليه وسلم لخيبر
وأمسك بتلابيبه الدائن الكتابي..يريد أن يأخذ منه  خمسة دراهم كان قد اقترضها، وقضى له النبي صلى الله عليه وسلم بالحق، وبأن عليه أن يدفع له قبل أن يغادر ..فباع برده وعمامته..وجلس يبكي..فقالت له عجوز: مالك
يا صاحب رسول الله!
..فقال لها ما جري وشكى عجزه عن السفر.-هو يبكي لأنه تخلف عن بذل! ولم يتخذها ويهتبلها فرصة- فطرحت عليه بردها وقررت أن تمكث في بيتهاهذه المدة! احتسابا للأجر..
  ..فخرج معهم وعاد وقد غنم من ضمن ما غنم في نهاية المطاف ألف درهم بدل الخمسة التي كان باع بها ثوبه.. 

 مكارم الأخلاق تقولون "لا إله إلا الله" ثم تشربون من النهر ملء البطون .."فمن شرب منه فليس مني" 

"فرق بين أن تعرف الحقيقة وأن تعيشها.." 

" فرق بين أن تعرف الحقيقة وأن تحياها، وتكون وفيا لمعناها... 
وتدفع ثمن عهدك، وإن كان غاليا.. "عندك" 



"بعدت عليهم الشقة" استطالوا المسافة واستثقلوا التكليف..فلماذا لم يخفف الشارع عليهم كما يخفف بعض الدعاة الجدد! ممن لا يلتزمون بمعايير مشروعة ولا معقولة..
فلتأليف القلوب حدود إذا، والأمر أمر الله تعالى يأذن باليسر فيكون شرعا ويأمر بالأخذ فيكون شرعا!   
يوم القيامة ..  
ليس لأحد هنا دلال ولا اعتداد بأعمال 
ولا يملك أحد حق السؤال وهم يسألون 
الكل جاث على الركب أو مرتعد ... 
..أو يغطيه العرق


نسأل الله العافية

الثلاثاء، 2 يناير 2018

فلسفة غاندي وحكمة الشرع بين العفو و الصلح و القصاص



يقول الدكتور:
السيد مصطفي أحمد أبو الخير

1 - أن القصاص في الأطراف لا يكثر المشوهين في المجتمع بل العكس هو الذي يحدث، لأن الإنسان إذا عرف أنه إذا أقدم علي قطع يد أخر فأن يده ستقطع، فأنه لن يقدم علي هذا الفعل، مما يتحقق معه منع الجريمة وليس زيادتها كما يدعي هؤلاء.

2- أن القصاص في الأطراف ليس انتقاما لأن الانتقام ليس فيه مساواة بين الجريمة والعقوبة بل مساواة حقيقية بينهما كما أن الانتقام يكون من المجني عليه وليس من ولي الأمر(الحاكم أو من ينوب عنه)، والقصاص يقوم به ولي الأمر وليس المجني عليه.

3 – مناط الحماية في القصاص فيما دون النفس أي في الأطراف والجروح هي سلامة الأعضاء وليس التساوي في القوي الطبيعة، أي قوتها، فقد تكون يد ضعيفة في نظر الناس ولكنها في نظر صاحبها قوية تؤدي دورها في حياته كاملة كما هو الحال مع الأقوياء الأصحاء، لأن أساس القصاص المساواة في الأنفس البشرية لأن الناس متساوية أمام التشريع الإسلامي.
وعلي ذلك لا يجب ولا يصح أن يكون هناك تفاوت بين الناس في القصاص، وقد أكد ذلك قول الرسول صلي الله عليه وسلم(المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم) فالمساواة في القصاص تكون في الأنفس والأعضاء والدماء، فلا تفرقة بين الناس في الأوصاف سواء كانت أوصافا ذاتية فلا فرق بين لون ولون( ) فقد قال رسول الله صلي الله عليه وسلم(كلكم لآدم وآدم من تراب لا فضل لعربي علي أعجمي ولا أبيض علي أسود إلا بالتقوى والعمل الصالح) وقال أيضا (الناس سواسية كأسنان المشط).

فالعقوبات في الشريعة الإسلامية تعمل علي منع الجريمة بثلاث طرق هي:


1 - التهذيب النفسي وتربية الضمير، فقد هذب الإسلام النفس الإنسانية بالعبادات من صلاة وصوم وزكاة وحج لبيت الله الحرام، مما يجعل العبد المسلم أليف مؤتلف يري نفسه من ومع وإلي الجماعة التي يعيش في وسطها وكنفها وبالتالي فهو يعمل لصالحها وعلي حمايتها حتى من نفسه.
2 – تكوين رأي عام فاضل عماده وأساسه الأخلاق الفاضلة الكريمة لذلك دعت الشريعة الإسلامية إلي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويسود بذلك خلق الحياء في المجتمع الإسلامي والحياء إحساس قوي بالقيود النفسية التي تجعل الجماعة وما يرضيها مكانا في النفس الإنسانية مما يجعل الشخص يحس بسلطان الرأي العام علي نفسه، ولذلك حث الإسلام علي الحياء ودعا إليه النبي صلي الله عليه وسلم وأكثر من الدعوة إليه.
3 – العقوبات الزاجرة والمانعة الرادعة فالعقوبة رادعة للمجرم زاجرة لغيرة، فالغاية من العقوبة في الشريعة الإسلامية أمران حماية الفضيلة وحماية المجتمع من أن تتحكم فيه الرزيلة والثاني المنفعة العامة ومصلحة الناس، فالفضيلة والمصلحة وإن كانا يبدو بينهما خلاف إلا أنه ظاهري بل هما متلازمان فلا فضيلة بدون مصلحة ولا مصلحة بدون فضيلة، بل أن كثير من علماء الأخلاق يعتبرون مقياس الفضيلة أو الخير هو المصلحة الحقيقية بدون هوي.
4 – العقوبة شفاء لغيظ المجني عليه وليست للانتقام فشفاء غيظ المجني عليه وعلاجه له أثره في تهدئة نفس المجني عليه فلا يفكر في الانتقام ولا يسرف في الاعتداء وبالتالي تنتشر الجريمة وتتفشي في المجتمع، بالإضافة إلي الحفاظ علي الكليات الخمس السابق بيانها، ويعتبر ما سلف خير مانع للجريمة.
وقال أهل العلم في تسمية الحدود حدوداً لأنها تفصل وتمنع وتحجز من الوقوع في الجريمة والإثم الذي يضر صاحبه ولا يقتصر ضرره عليه بل يتعداه إلى غيره، ومن هنا قالوا سميت الحدود حدوداً لأنها تمنع من الإقدام على ارتكاب المعاصي ولأنها من جهة أخرى تمنع من ارتكب المعصية من العود إليها إذا أخذ عقوبته المكافأة الزاجرة وهذا من رحمة الله سبحانه وتعالى بالعباد وبأمة الإسلام أنه لم يجعل أمر العدوان على ثوابت استقرار المجتمعات أمراً يرجع إلى تقدير الخلق ومن ترك شرع الله سبحانه وتعالى تخبط.
لذلك انتشرت الجرائم في تلك المجتمعات ووصلت معدلات الجريمة فيه أرقاما قياسية مخيفة تهدد بأفول نجم الحضارة الغربية، وقد بدأت صيحات التحذير من أفول هذه الحضارة في كل الدول الغربية ومن مضي علي نهجها( ).
الرحمة هي أساس الإسلام والعدل والرحمة متلازمان ولا يفترقان أبدا أحدهما لازم للأخر فالرحمة من لوازم العدل وثمرة من ثمراته فلا توجد الرحمة مع الظلم، كما لا يمكن أن يكون العدل مخالفا للرحمة ويستوي في ذلك العدل بين الناس والعدل بين الدول فالعدالة الحقيقية هي الرحمة الحقيقية، وهناك فرق بين الرحمة والرأفة فالأولي أوسع من الثانية وتكون في الخير العام والعدالة، أما الرأفة فإنها إحساس بالشفقة علي من يتألم سواء كان هذا الألم عدلا أم غير عدل، ومنهي عنها عندما يكون الألم ناتج عن إنزال عقوبة رادعة عن الشر ومانعا للإثم( ).
ويهدف النظام الجنائي في الإسلام لحفظ الكليات الخمس التي لا تقوم الحياة ولا تستمر بدونها وهم( حفظ النفس، وحفظ الدين، وحفظ العقل، وحفظ النسل، وحفظ المال) وأي جريمة هي اعتداء علي أحدي هذه الكليات السابقة، فقد شرعت كافة العقوبات في الإسلام للمحافظة عليها، ولقد أوضحها حجة الإسلام الغزالي في كتابه المستصفي فقال (( إن جلب المنفعة ودفع المضرة مقاصد الخلق، وصلاح الخلق في تحصيل مقاصدهم، لكنا نعني بالمصلحة المحافظة علي مقصود الشرع ومقصود الشرع من الخلق خمسة، وهو أن يحفظ عليهم دينهم، وأنفسهم، وعقلهم، ونسلهم، ومالهم، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول، فهو مفسدة، ودفعها مصلحة، وهذه الأصول الخمسة حفظها واقع في رتبة الضرورات، فهي أقوي المراتب في المصالح، ومثاله قضاء الشرع بقتل الكافر المضل، وعقوبة المبتدع الداعي إلي بدعته، فإن هذا يفوت علي الخلق دينهم، وقضاؤه بإيجاب القصاص، إذ به حفظ النفوس، وإيجاب حد الشرب، إذ به حفظ العقول التي هي ملاك التكليف، وإيجاب حد الزني، إذ به حفظ النسب والأنساب، وزجر الغصاب والسراق، إذ به يحصل حفظ الأموال التي هي معايش الخلق وهم مضطرون إليها، وتحريم تفويت هذه الأمور الخمسة))( )
والمصالح المعتبرة وإن لم تكن دائما ذاتية ولكنها تعد من البدهيات، كما إن المنافع إضافية فقد تكون منافع قوم فيها ضرر بآخرين وقد تكون منفعة عاجلة تدفع منفعة آجلة، مادية أو معنوية لذلك يجب عند تجريم الفعل أو إباحته النظر إلي منافعه ومضاره والتوازن بينهما، كما أن المصلحة المعتبرة من الشارع تختلف عن اللذة والشهوة، فالشهوات والأهواء أمور شخصية وقتية وقد تكون انحرافا وأحيانا تتعلق بأمور لا تنفع ولا تجدي بل تضر، والهوى انحراف عن الفكر فيدفع للفساد ومن ثم للجريمة، وأغراض البشر وغاياتهم ليست دائما متجهة إلي المصالح التي يحميها الإسلام، أنما يحمي الإسلام الأغراض والمنافع الشخصية المتفقة مع المصالح العامة التي يحميها الإسلام، لذلك تقرر إقامة العقاب علي أساس حماية المصالح الإنسانية المتمثلة في حفظ النفس، وحفظ الدين، وحفظ العقل، وحفظ النسل، وحفظ المال، واعتبار العقوبة من العدالة، وظهرت منطقية وحيوية ومضمون ومفهوم الآية الكريمة ( ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب) والملاحظ أن الآية الكريمة اختتمت بالنداء علي(أولي الألباب) أي أصحاب العقول النيرة المفكرة وليست الضالة المظلمة وتلك إعجاز آخر.

فرض الإسلام القصاص حتى لا تنتشر الفوضى والاضطرابات في المجتمع، ولإبطال ما كان عليه الجاهليون قبل الإسلام من حروب بين القبائل يموت فيها الأبرياء الذين لا ذنب لهم ولا جرم، فجاء الإسلام وبيَّن أن كل إنسان مسئول عما ارتكبه من جرائم، وأن عليه العقوبة وحده، لا يتحملها عنه أحد.
يأخذ القصاص في الشريعة الإسلامية حكم الفرض الثابت فقد جاء في القرآن الكريم(كتب عليكم القصاص) فهو في منزلة الصيام والجهاد من حيث الحكم فقد جاء في القرآن الكريم (كتب عليكم الصيام)(البقرة:183) و(كتب عليكم القتال) البقرة:(216) وقال تعالي في سورة النساء الآية(103)(إن الصلاة كانت علي المؤمنين كتابا موقوتا) أي أنه من الفروض الثابتة.


تتضمن الآية(179) من سورة البقرة(( ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب)) الحكمة من القصاص في معان بلاغية هي:
1 – جعلت فائدة القصاص عامة تشمل المجتمع كله ولم تقصره علي ولي الدم وحده( المجني عليه) بدليل قوله تعالي في بداية الآية(ولكم) فالقصاص ليس انتقاما لفرد ولكن للمحافظة علي حياة الجماعة والمجتمع المسلم كله.
2 – أطلاق لفظ(القصاص)علي العقوبة فيه حكمة أبلغ من العدالة لأن القصاص يتضمن المساواة بين الجريمة والعقوبة، مما يعد معه القصاص مانع قوي وسدا منيعا للجريمة، وبذلك يحيا المجتمع حياة هادئة هانئة مستقرة وتنعدم الجريمة في المجتمع، وهذه غاية لم تصل إليها النظم القانونية الوضعية حتى الآن، فالسياسة العقابية في أي نظام قانوني تهدف للمساواة بين الجريمة والعقوبة.
3 – يتبين من الآية أن حياة الجماعة في القصاص، لأن عدم وجود القصاص يؤدي إلي أهدار الدماء وكثرة القتل في المجتمع، مما يؤدي إلي الفوضى في المجتمع، مما يهدد حياة الجماعة ويهددها بالفناء.
4 – تشير الآية أن الحياة التي تستحق أن يطلق عليها حياة هي الحياة الهادئة المستقرة وهي التي تتحقق بالقصاص، والدليل علي ذلك أن كلمة (حياة) جاءت في الآية نكرة والتنكير هنا للتفخيم والتعظيم.
5 – أن هذه الحكمة البالغة والغاية العظيمة لا تدركها إلا العقول النيرة السليمة التي تعرف جيدا مصلحة الجماعة، فالخطاب في الآية الكريمة لأولي الألباب فقال تعالي(يا أولي الألباب) وهم أصحاب العقول التي خلصت وبرأت من الأهواء والشهوات.
6 – تعتبر هذه الآية ردا بليغا علي دعاة إلغاء عقوبة الإعدام، وتعضدها وتساندها وتؤكدها الآية(32) من سورة المائدة، لأن إلغاء هذه العقوبة يعني كثرة القتل في المجتمع وانتشار الفوضى مما يأتي إلي انهيار هذه المجتمعات، فلا خوف من الحرمان من الحياة وبذلك تنتشر الجرائم الخطيرة التي تهدد كيان المجتمع كله. 
ننتقل إلي الآية(32) من سورة المائدة((:(( مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاء تْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ))
هذه الآية نزلت في حادثة قتل قابيل علي يد أخيه هابيل أبني آدم، والعلاقة بينها وبين القصاص بيان الداء والعلاج معا فالداء هنا في حادثة القتل الحقد والحسد وفقد العواطف الإنسانية النبيلة عند القتل، مما يعني أن القاتل قطع كل الروابط التي تربطه بالجماعة بإقدامه علي القتل، مما يجعله عنصر تدمير وفساد في المجتمع، لذلك ينبغي أن يكون الدواء من جنس الداء عن طريق إبعاده عن المجتمع وحرمانه الحياة كما حرم المقتول من الحياة، لذلك يجب بتره من المجتمع.

والآية الكريمة تبين أن الاعتداء علي النفس هو الجريمة بدون تفضيل في الأنفس سواء أكانت نفس طفل أو رجل أو امرأة، كما لا يهم اللون أو المكانة أو الوظيفة أو الحسب والنسب، فمناط الحماية في الآية الكريمة هي النفس الإنسانية ذاتها، مما يدل علي أن الشريعة الإسلامية تحمي النفس الإنسانية ولا تهدرها بدون حق أو سبب، وتأكيدا علي ذلك جعلت الآية قتل نفس واحدة مساوية لقتل الناس جميعا فقال تعالي:( الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا) التشبيه هنا يدل علي اهتمام الإسلام بالنفس الإنسانية وعظم جريمة القتل، فحق الحياة مقدس وهو حق ثابت لكل فرد في المجتمع بقدر متساوي، لذلك عدت الآية قتل نفس بمثابة قتل كل الأنفس وتعادل قتل الناس جميعا لأنه تعدي علي الإنسانية كلها.

وتأكيدا علي أن القصاص حياة قال تعالي في هذه الآية(وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) ويدل ذلك علي أن القصاص من القاتل يعني إحياء للحياة المجني عليه باحترام دمه وعدم ضياعه هدرا، وبالتالي تتحصن حياة كل نفس في المجتمع وتحمي وتحيى، لأن القصاص فيه ردعا عام للمجتمع فمن عرف أنه إذا قتل سوف يقتل فأنه يحفظ ويحافظ علي حياته وحياة غيره، وقد أشارت هذه الآية إلي الغاية الحقيقية من القصاص وهي المحافظة علي حياة الأفراد في المجتمع، هذا بشأن القصاص في القتل.
---------------------------

انتهى كلام الدكتور وهنا نقل قيم نافع:

"محمد الطاهر بن عاشور": ".... لِأَنَّ النُّفُوسَ جُبِلَتْ عَلَى حُبِّ الْبَقَاءِ وَعَلَى حُبِّ إِرْضَاءِ الْقُوَّةِ الْغَضَبِيَّةِ، فَإِذَا عَلِمَ عِنْدَ الْغَضَبِ أَنَّهُ إِذَا قَتَلَ فَجَزَاؤُهُ الْقَتْلُ ارْتَدَعَ، وَإِذَا طَمِعَ فِي أَنْ يَكُونَ الْجَزَاءُ دُونَ الْقَتْلِ أَقْدَمَ عَلَى إِرْضَاءِ قُوَّتِهِ الْغَضَبِيَّةِ، ثُمَّ عَلَّلَ نَفْسَهُ بِأَنَّ مَا دُونُ الْقِصَاصِ يُمْكِنُ الصَّبْرُ عَلَيْهِ وَالتَّفَادِي مِنْهُ. وَقَدْ كَثُرَ ذَلِكَ عِنْدَ الْعَرَبِ وَشَاعَ فِي أَقْوَالِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ"[2]، وجعل النبي حرمة دم المسلم أعظم عند الله من زوال الدنيا وما فيها، قال - صلى الله عليه وسلم -: "وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لَقَتْلُ مُؤْمِنٍ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ زَوَالِ الدُّنْيَا"؛ رواه النسائي، وقال - صلى الله عليه وسلم - في حديث آخر: "كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه"؛ رواه مسلم، وأحكام الشريعة الإسلامية في عقوبات جنايات الاعتداء على النفس وانتهاك أرواح وحرمات المسلمين هي من أدق وأعدل لوازم هذا الدين، وبها قوام وانتظام شريعة رب العالمين؛ يقول الدكتور هاني السباعي: "يعتبر فقه الجنايات الإسلامي العمود الفقري للمنظومة الإسلامية.. فإذا ضعف ضعفت.. وإذا استقام قويت.. بل إن المؤامرات التي تحاك قديمًا وحديثًا ضد الإسلام هدفها القضاء على هذه المنظومة الجنائية التي هي جنة الراعي والرعية.. والتي هي عنوان الشريعة الغراء التي تجذب الناس ليدخلوا في دين الله أفواجًا"

الصلح خير..الصلح المبني على اعتراف كل طرف بخطئه وعلى وجود كيان عاقل عادل قوى قادر

العفو محبب ومطلوب ولكنه ليس واجبا دوما

وليس استسلاما وليس حلا دائما

والله سبحانه هو الخبير بنفوس وطبائع البشر

والشرع الكريم يداوي تسويل الشياطين... فالعفو مندوب وفضيلة ومستحب..

فلسفة غاندي لم تصلح مع هتلر وموسوليني وستالين وهرتزل ووو
ولا تصلح في إطار الشارع والقرية والدولة دون ردع ودفع وسلطان قوة أو سلطان حكم مؤسسي يقيم الميزان..وإلا رأينا بلطجة محلية ومنزلية وعالمية وانسحاقا واستضعافا وذلا وقهرا ولم نر أمنا ولا سلما ولا سعادة

العفو عند المقدرة..
عفو العاجز ينشئ الفرعنة والبلطجة ولا يردع النازية والفاشية داخل الأسرة والعائلة والمجتمع والمجتمع الدولي..

فالقصاص يردع كثيرا من المجرمين ويمنعهم من التفكير في الجريمة فيمنعها قبل وقوعها..

الاثنين، 1 يناير 2018

من الرد على الملحدين

هل في عيون الملحدين عماء

أم في عقول الملحدين غباء

أيجوز عقلا أن عقلا مبدعا

قد أبدعته طبيعة بلهاء

فإذا الطبيعة أدركت وتصرفت

قلنا الطبيعة والإله سواء!

الله أحيا الكائنات بسره

وبسره تتفاعل الأشياء

الشاعر/ أحمد الصافي"

كان يتحدث عن أهل الصدفة وعقلانية الحجارة!

هذه الصور للتفكر الذي أمرنا به !

مجموعات خلايا أصغر من الشعرة وأرق من النسمة

وتحتوي تقنيات حيوية بالغة التعقيد والتراكب ومتناهية الصغر…

وهي موجودة في مكانها المناسب تماما.. وضعها فيه من يعرفه بغاية الدقة والإتقان في التصميم والتصنيع والاختيار …

وكل التفاصيل لها سبب وجيه ولها تفسير حكيم وروعة بالغة في أداء الوظيفة وتوفير الطاقة!   استغلال الموارد والتنسيق مع بقية الأجهزة ومع الكون حولها…

سبحان الله وتعالى عما يشركون.. 
أفغير الله أتخذ وليا!
أفغير الله أبتغي حكما!

رحمة للعالمين صلى الله عليه وسلم

" من مرويات السيرة العطرة
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان سائرا بأعداد غفيرة إلى مكة فنظر فإذا كلبة مع أولادها الرضع ، فأمر رجلا من أصحابه يقال له جعيل بن سراقة أن يقوم حذاءها ، لا يعرض لها أحد من الجيش ولأولادها "
----------------------------------
سبل الهدى والرشاد الجزء 7 ص26
مغازي الواقدي المتوفى (ص: 804) وكذا في مغازي الأسلمي
إمتاع الأسماع المقريزي ص 366.

طلب العلم و الاجتهاد و التجديد



النصح واجب على كل أحد فهم مسألة ومقام تنزيلها ومناطها وواقعها، لكن نحن نريد مجموعة من المجتهدين المجددين على أصول صحيحة لا المبتدعين
ولا المخرفين ولا المتميعين ولا المتحجرين الجامدين ولا الحمقى ولا الغلاة...

كما أنه على رأس كل مائة سنة من يجدد فنحن بحاجة ماسة إلى ذلك...

نحن بحاجة للعالم المجتهد وللداعية المجتهد -نسميه تأدبا طالب العلم -  
هذا اكثر من حاجتنا للمقلد أو للمجتهد المقيد..لأن النوازل كثيرة ومدلهمة والأحوال معقدة والواقع بحاجة لعقول واعية بالتوحيد النقي الصافي حدا وحكما وحقيقة وواقعا، وبالفقه الحقيقي لا المختصرات ولا المنتقى الموجه السردي..ومن وجد في عقله أهلية لذلك فعليه ألا يضيع عمره
في المشاحنات والالتفات والتصدر أوفي التسود قبل التفقه كما قالوا...

  حفظ القرآن الكريم في الصدر. هذا شرط علمي تربوي لا أحسب أن السلف اختلفوا عليه ويمكن الرجوع لكل المصادر المعنية لبيان ذلك..

.. ولا يشترط المعهد الرسمي الأكاديمي إلخ بل قد يكون مسيسا! ومن ثم فالعلم بالوجادة وحال من يسمونه القارئ الصحفي أو الباحث عن الحقيقة في زمان الافتتان أقل ضررا من اتباع مبني على سمعة في زمان التباس وفتن عظام وانبطاح وابتداع وشركيات لا حصر لها ...وبالمقارنة يدرك طالب العلم الحق في الشروح المختلف عليها عند التنزيل..

..والختام للشروح معناه الدراسة بنفس طويل لآخر الشرح- أي الإكمال للنهاية،لأن آفة طلاب العلم الملالة والضجر والاغترار بما حصلوا قبل أن يجمعوا جمعا صحيحا.. ومن ثم يتوقفون عند قدر معين ظنا منهم أن الباب الذي لم يدرسوه لم يعد مطلوبا..رغم أنك قد تجد ما يفيدك في فهم كليات ومقاصد الشرع في أبواب وفصول تظنها بعيدة المظان عن موضع بحثك..

"والمجتهد خمسة أصناف، كما قسمه الشيخ أبو عمرو بن الصلاح وتبعه عليه صاحب "المجموع " وهي:
1-المجتهد المطلق.
2-المجتهد المنتسب.
3-مجتهد المذهب.
4-مجتهد الفتوى والترجيح.
5-الحافظ للمذهب المفتي به"
وللاستزادة في تفاصيل شروط الاجتهاد:
- البحر المحيط للزركشي (شافعي).
- المستصطفى للغزالي (شافعي).
- جمع الجوامع للسبكي، بشرح المحلى وحاشية العطار (شافعي).
- الفصول في الأصول للجصاص. (حنفي).
- كشف الأسرار لعبد العزيز البخاري (حنفي).
- التوضيح للتفتازاني (شافعي)
- تبصرة الحكام لابن فرحون (مالكي).
- التقرير والتحبير لابن أمير الحاج (حنفي)
- الإنصاف للمرداوي (حنبلي).
- شرح الكوكب المنير للفتوحي (حنبلي)."

https://saaid.net/arabic/107.htm
الإسلام ودعاة التجديد.. من الوريد إلى الوريد!
د. إسلام المازني

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين

هذه كلمات خطتها دموع القلم على شاطئ التجديد، مقرة بأن تجديد الدين هو دليل محبتنا لرب العالمين، هذا حق.. لكن كيف يكون؟

قال الكميت:
هل للشباب الذي قد فات مردود * أم هل لرأسك بعد الشيب تجديد

وهذا يرينا أن التجديد هو الرد إلى الأصل الأول، أما فلاسفة التجديد ..... من الوريد إلى الوريد! فيرونه تصرفا في الأصل.

لهذا هتفت بدعاة التجديد الجدد:
بل هو تجديد الحزن بعد أن يبلى!
وحسبنا الله، نعم.. حسبنا الله
وَعندَها لَذَّ طَعمَ المَوتِ شارِبُهُ * إنَّ المَنيَّةَ عِندَ الذُّلِّ قِندِيدُ!
أي كمشروب ممتع وغاية المنى ...

نسأل الله الوفاة على الإسلام غير مبدلين ولا مفرطين، فقد ركب قوم مركب التجديد، وخرقوه ليغرقوا أهله، وصيروه مركبا للتبديد والتقويض، بدلا من التجديد والتنشيط، وأعادوا بتجديدهم ذكرى أخس العبيد، أمثال الجعد والجهم، وأياما حزينة عاشتها الأمة على أيديهم وبأقلامهم، وتنكأ ذاكرتها كل حين بأحفادهم ...

إنها دموع القلم، على شاطئ لم يكن ينبغي أن يكون شاطئا للأحزان أبدا، لكن حيزت لهم المنابر...

كما أن هناك لمحة في أن تجديد الحزن يكون باستعادته كما كان شجيا، فكيف يكون تجديد الدين، أيكون بتغيير صفته؟ إذاً لكان تجديد الحزن فرحا وسرورا! وهذا ما لا يقول به عاقل، فليرجعوا لأنفسهم مقرين بأن التجديد هو الإحياء، وفعلهم هو الإطفاء! محاولة لإطفاء النور بالأفواه

وهي وقفة مراجعة مع النفس، كي يرى كل منا أمجدد هو؟
أمتبع لمجدد هو؟

وأذكر أن شيخ الإسلام كان يقول: أجدد إسلامي وما وجدت لي إسلاما حسنا!
فهي محاولات ليكون إسلامنا غضا كما أنزل! وليس كما نرغب ..

وقد بلينا بمن لديهم ردود معدة سلفا، فيقولون متشدد حنبلي لكل من طالبهم بالصواب

فليسأل كل منا نفسه:
هل أنا على ما كان عليه أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم- في العقيدة والنسك والشعائر؟ في الخلق والسلوك؟ في الفهم والتقدير للأمور؟ في المرجعية المخبتة لرب العالمين؟

هل أعلم أصلا ما كانوا عليه من مصادر موثقة؟ أم أتلقى ديني حيثما اتفق من كل ما يقال حولي دون تمحيص؟
ونحن نعاني من فتاوى كالزوابع والصرعات ... ولم تعد فتاوى فقط بل تشريعات!

وليتذكر كل منا أن المهدي عليه الصلاة والسلام تجديده إحياء وبعث للثوابت! عل في هذه التذكرة بلاغا يقيه جراثيم المدعين.

وهذه ومضات عاجلة حول تلك الفتنة السائرة، عل فيها خيرا وصيانة من مغالطات قد ترن في الآذان، عبر المذياع وغيره:

يباع الأن مفهوم تجديد الدين كل مائة عام، ويقف القوم حيارى، بين كفي المجدد وفكي المبدل ...
والحقيقة الغائبة هي أن احتياجاتنا في الدنيا قليلة، وهذا ما نكتشفه حين نرى أغنى أغنيائها يأكل الخبز والجبن مثلنا، ولكن توهمنا أنها احتياجات كبيرة، ولجوئنا فيها لغير بارئها يجعلان البعض يبيعون الكثير بالقليل في لحظة الضعف، ويتنازلون عن الحق مقابل بعض هذه الأطعمة والأشربة، والنقود القليلة البائدة...
ويبقى الأمل في بعض أخر، قدّموا ما ينفعهم في ظلمة القبر الطويلة الباردة، وعزلته القاسية...

ولقد قدر الله تعالى أن يكون هناك خير وشر، وأن يتلون الشر بلون الخير أحيانا (مؤسسة الشر الخيرية قد تكون في شكل مسجد! كمسجد الضرار أو فضائية دينية، أو جريدة، أو موقع إنترنت...)، وأن يدعي الخير من ليس من أهله، وألا يدعي الشر أهله، وربما أقسم صاحب الشر بالله أنه من الناصحين {وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين}، فقد كان إبليس - ظاهريا - من المحبين لأبينا، ولم يطلب أجرا لقاء النصيحة الزائفة...

والحقيقة أن التجديد يساء فهمه، ويظن به أنه التغيير والتدهور (بدعوى التطور)، ولكن ربما في حديث (جددوا إيمانكم) لمحة عن ماهية التجديد...

قال الرسول صلى الله عليه وسلم جددوا إيمانكم،
* قيل: يا رسول الله وكيف نجدد إيماننا؟
قال: أكثروا من لا إله إلا الله
رواه أحمد

فلم يكن التجديد هنا سوى ذكر أصل الإيمان (الذي صار - الأن - لفظة باللسان) ليتذكر المرء (ممن فهموا معناها) غاية وجوده، ومهمته على ظهر الأرض، وهي إشارة إلى أن التجديد هو إزالة كل الغفلة والران والصدأ من على القلب، والتراب من فوق العقل كذلك، والعودة بالشيء لأصله، فيكون كالجديد تماما.

فأمر بالعودة للأصل الناصع الذي تنبثق منه كل الفروع، ليكون تذكرة وتهيئة جديدة للنفس، ولتدخل المعاني الكريمة ثانيا في شغاف القلب، وفي حنايا النفس وأعماق الروح، فينتج عنها كل تصرف جميل، وتزول كل العوالق التي تقسي القلوب وتطمس على العقول {فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم}

*والمسألة ربما تكون واضحة كذلك في رواية يجدد لها (أمر) دينها
(إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها) رواه أبو داود وصححه العراقي.

فهو يجدد أمر الدين وليس الدين

وعلى الثانية يحمل المعنى على التأصيل والتنقية، والتصفية من كل ما علق، فيعود كأنه جديد غض طري كما أنزل

وعلى الأولى يحمل على عودة القضية حية في النفوس، وعودة المعاني فوق رأس أعمال العقول، وعلى عودة الرسالة هي الهدف الأسمى والأنبل، بدلا من كونها شيئا ما في ركن فاتر من الكيان البشري.

أما تغير الفتيا بتغير الواقع فهذا ليس تجديدا، بل هو عمل بالأصل، فهو يتم طبقا لقواعد فيه تحفظ مقاصده وثوابته، وهو مسألة مرونة ذاتية، ولا تشمل الأسس ولا تغير النصوص القطعية، ومن يحفر فيها ليوسع بها الأمر إلى منتهاه عابث {وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا}، ويستوي مع المحرف المخرف {تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا} ويبقى صنف مدحه الحق {والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة...} والمقصود يمسكون بما فيه... بلا شك!

*وهناك لمحة أخرى:
وهي أن المُجَدد هو دين الأمة، وليس الدين نفسه (أي إضافة لفظ الدين إلى الأمة، كمضاف ومضاف إليه)

وهذه أيضا تشير لأن المطلوب تجديد صلة الأمة بالدين، وليس طبيعة هذا الدين.. وإلا فما الذي يميز هذا الدين عن أي دين؟ لو أن أهله ألفوا كل مائة سنة دينا وياسقا جديدا؟

والنصوص كلها متقاربة في بيان التجديد الحقيقي، الذي يختلف عن التزوير والتحريف عافاكم الله تعالى

* فحين نقول:
جدد وضوءه!
فهل تجديد الوضوء هو تغيير صفته؟ أو موقفنا منه؟ لا ... بل هو الوضوء نفسه يفعل فيصير مجددا! حتى لو لم ينتقض يجدد بأن يكون حديثا في نفس صفته، ولا نترك غسل يد مثلا أو نغير سنة فيه!

بالمثل تجديد الدين... إذن تجديد الدين هو أن نجدد الروح فينا نحوه، ونوقظ العقل به ونرقق القلب معه، فتكون فينا حماسة من وجد ما فقد.
فمن يرى التجديد تحويرا وتحريفا إما لديه خلل في النية أو في القوى العقلية.

*وبالمثل حين نقول: تجديد العهد
فحين أقول لك:
جدد العهد وجنبني الكلام * إنما الإسلام دين العاملين
هل معناه أن تخترع عهدا جديدا بيننا وتنكث الأول؟ أم أن تفي بما كان، وتصدق القول بالعمل؟ وتلتزم بنفس قوة التزامك يوم شددنا الأيدي؟

هذا... والإسلام مع التجديد في نواحي الحياة العملية والعلمية، التي تسير وفقا للشرع
(تعلموا، وسيروا، وانظروا، واضربوا فى الأرض، واغرسوا الزرع .... بما يرضي الله تعالى)

وقد ذكرنا آفة العبث بالأحكام حين تخصص بلا قرينة، وتقيد القواعد المطلقة بلا بينة، وهذه طريق لنسخ الشريعة كلها بالهوى والاستحسان (طبقا للضغوط أو الأحلام)

فقد سمعت من يقول سنة بيئية! وعادة عربية! ومسألة وقتية زمنية! ليبرر ترك واجبات (وليس نوافل) بدعوى أنها خاصة بالعرب أو بزمن مضى وانقضى!

وينسون أن التغير البشري لا يشمل تغير الثوابت الأصلية، وهي الرغبات والنوازع وغيرها - ففي عصر الذرة تبقى النفس هي النفس، والقيم هي القيم - ومن ثم كان الشرع ثابتا خالدا صالحا، والشكل الدنيوي التقني متغيرا، والله أعلم بعباده ... فها نحن نرى البشرية بحاجة لتربية ولأخلاق، ولضوابط تحميها من أمراض الحضارة، وبها نفس العيوب والمصائب السالفة، وذات الجرائم بنفس المنشأ، واختلفت فقط في الشكل.

فابن آدم عليه الصلاة والسلام قتل بالحجر، وبوش يقتل باليورانيوم المنضب أو المخصب.. وكلاهما بحاجة لتربية إسلامية ربانية، تترك له مجال التقدم، وتضبط له توجيهه لخير البشرية، بإيمان وأخلاق وتشريعات ربانية مضيئة

أما من يغير الشرع ليوائم كوندوليزا فليهنأ هو وهي بدين جديد

فنحن لا نريد (بولس) مصري أو شامي ليبدل الإسلام ....
كفى ما بنا
نحن أصلا لسنا على الأصل الأول حتى نبدل بدعوى التجديد، فكيف إذا انتقض القليل الباقي؟

وهي فتن تعرض (في الحديث: تعرض الفتن كعرض الحصير عودا عودا)، أي كما يظهر على جلد من نام عليه مثلا...
حين طبع الحصير على جسد النبي صلى الله عليه وسلم، وهو زاهد في الحرير! كانت العلامات الطابعة على جلده الشريف في سبيل الله، أما هذه الفتن فهي تطبع على القلوب لا الجلود! كما أخبر.. بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم

وطبع الفتن مؤثر وفتاك، نسأل الله العافية

فمن قلب يصير كوزا صدئا، بل ومقلوبا! يعني: مقزز شكلا ومعنى، ولا قيمة له ولا وظيفة، بل يعكر الماء ويسمم الشاربين

إلى قلب يضيء ويطفيء!

ويبقى قلب المؤمن يزهر وينير كالسراج

والتصفية النهائية تكون على قلبين! كما قال من لا يكذب، صلى الله عليه وسلم:
على أبيض مثل الصفا، فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مرباداً، كالكوز مجخياً، لا يعرف معروفا ولا ينكر منكراً، إلا ما أشرب من هواه
رواه الإمام الحبيب العلم الرائع: مسلم أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم النيسابوري

وإذا العقائد بالضلال تخالفت ... فعقيدة المهدي أحمدَ أحمدُ
هي حجة اللّه المنيرة فاعتصم ... بحبالها لا يلهينّك مفسدُ
إن ابن حنبل اهتدى لما اقتدى ... ومخالفوه لزيْغهم لم يهتدوا
ما زال يقفو راشداً أثر الهدى ... ويروم أسبابَ النجاة ويجهدُ
حتى ارتقى في الدين أشرف ذروة ... ما فوقها لمن ابتغاها مصعدُ
نصر الهدى إذ لم يقل ما لم يقل ... في فتنة نيرانها تتوقّدُ
ما صدّه ضرب السِّياط ولا ثنى ... عزماته ماضي الغرار مهنّدُ
فهناه حبٌ ليس فيه تعصّب ... لكن محبة مخلص يتودّدُ
وَوِدادُنا للشافعي ومالك ... وأبي حنيفة ليس فيه تردّدُ

اجتماع الجيوش لابن القيم رحمه الله.

كما قال عنترة في قصيدته:
يا عَبْلُ أيْنَ منَ المنيّة مهربي ... إذْ كان ربِّي في السماء قضاها

ولقد وقي الله البيت السني في مجمله من تقديس الشيوخ، كما لدى الصوفية فيكون المريد كالميت بين يدي مغسله، ويبيح له الخروج عن الشريعة لما يسميه الحقيقة!
أو كما لدى الرافضة حيث يقدسون الأئمة المعصومين، ويخطئون الوحي!

أما أئمة أهل السنة فكلهم حرم التقليد الأعمى ولله الحمد
ووضعت أصول الفقه لتكون عنصر التجديد والبناء والتعامل مع المستجدات، وأسس علم الحديث ليكون صمام الأمان من التخريف!

وأشدّهم كُفراً جَهُولٌ يدّعي ... عِلْمَ الأصول وفاسقٌ متزهدُ
فَهُمو وإن وهنُوا أشدّ مضرّة ... في الدين من فأر السفين وأفسدُ

فبداية من عبد الله بن عباس وهو يعلم الناس أن الحجارة تسقط على من ترك الدليل لقول أحد كائنا من كان.. إلى جميع الأئمة الذين عرفناهم وسطا لا يجفون ولا يغالون لكنهم ينتقون أين ومتى وعمن يتحدثون.

ولم يقل أئمة أهل السنة بعصمة أحد من الصحابة أبدا فضلا عمن بعدهم، لكنه الأدب والاحترام والوقوف عند الحد.
أما الأحداث والأقوال والأفعال فكلها قيد البحث، وكلها قيد التحقيق بالضوابط الشرعية.. التي منها أحيانا كف الأيدي والألسن لاعتبارت منجية دنيويا وأخرويا ...
وتبقى السنة - صلى الله على صاحبها وسلم - سفينة النجاة، دون تعصب ودون جمود لكن بالتزام وفقه بالأصول منضبط وإلا لضاعت الدنيا

فكيف يستقيم فهمهم للتجديد بأنه الابتداع والاختراع مع قول العزيز الكريم: {والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة} سورة الأعراف.

ومع قول الحبيب صلى الله عليه وسلم: (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا!)
فهل هو تمسك بالكتاب أي بالأوراق؟ أم بالوصايا الربانية الجليلة المسطورة بها؟
أم يصيرون كمثل الحمار يحمل أسفارا؟
هل هو تمسك بالأواني أم بالمعاني؟

إذن هو الإحياء، وهو الإنعاش، وهو نفض الغبار وإزالة الران ...

إلهي.. إن كنت مددت يدي إليك داعياً، فطالما كفيتني ساهياً

إلهي.. لا أصل إليك إلا بك فقربني ولا تفتني